فخر الدين الرازي
167
المطالب العالية من العلم الإلهي
الوجه الثاني في بيان أن التوبة يمتنع حصولها إلا بتخليق اللّه تعالى : أن نقول : التوبة عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مترتبة بعضها على البعض . وتلك الثلاثة هي : العلم ، والحال ، والعمل . فالعلم أول ، والحال ثاني - وهو معلول العلم - والعمل ثالث - وهو معلول الحال . أما العلم فهو معرفة ما في الذنوب من المضار ، ثم يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة ، ونزول المضرة . ثم يتولد من ذلك الألم أحوال عملية ، لها تعلق بالحال والماضي والمستقبل . وأما تأثيره في الحال . فبأن يترك ذلك الذنب ، الذي كان ملابسا له . وأما تعلقه بالماضي . فبأن يتلافى ما فات بالقضاء ، إن كان قابلا للقضاء . وأما تعلقه بالمستقبل . فبالعزم على ترك ذلك العمل إلى آخر العمر . فالعلم هو الأول . وهو مطلع هذه الخيرات . وأعني بهذا العلم : اشتمال الذنوب على المضار العظيمة ، ويجب أن يكون هذا الإيمان يقينيا متأكدا ، خاليا عن الشكوك والشبهات ، وإلا لم يكن علما ، بل يكون ظنا . غير أن ذلك اليقين إذا استولى على القلب ، أوجب تألم القلب . وذلك العلم يوجب الأمور الثلاثة ، بحسب الأزمنة الثلاثة . إذا عرفت هذا فنقول : الاعتقاد الجازم في كون الذنب ، سببا لحصول المضار العظيمة يوجب النفرة عن الذنوب . وهذه النفرة توجب الترك في الحال ، والعزم على الترك في المستقبل . فترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله ، ترتب ضروري واجب بالذات ، فلا يمكن للعبد فيه مكنة واختيار . بقي أن يقال : الداخل تحت التكليف هو تحصيل ذلك العلم . لكنا بينا بالبراهين القاهرة : أن تحصيل العلم ليس مقدورا للعبد . فثبت بما ذكرنا : أن حصول التوبة ليس إلا من اللّه تعالى . ولما ثبت أن مذهبنا تقوى بالدلائل العقلية ، كان مذهبنا أولى من مذهبكم . وباللّه التوفيق . الحجة الثالثة : قوله تعالى : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ « 1 »
--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 37 .