فخر الدين الرازي

168

المطالب العالية من العلم الإلهي

وقوله : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِي « 1 » ووجه الاستدلال : أنه أظهر الرغبة إلى اللّه تعالى في أن يجعل هوى الناس إلى « مكة » . والعقل أيضا يدل عليه . لأن تحصيل الإرادة في القلب ، إن كان من العبد ، لافتقر فيه إلى إرادة أخرى ، ولزم التسلسل . وإن كان من اللّه تعالى فهو المطلوب . وكل ذلك تصريح بأن أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه . الحجة الرابعة : قوله تعالى : وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا « 2 » فإن قيل : عليه الأسئلة التي « 3 » تقدم ذكرها في الحجة الأولى . فالذي نزيده هاهنا أن نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد كونه رضيا في الخلقة والصورة . وهو كونه تام الخلقة ، صحيح الحواس ، كامل العقل ، شديد القوة ، طلق الوجه ، حسن الصورة ، موصوفا بالأخلاق الحميدة ، محبوبا بين الناس ؟ وكل ذلك من أفعال اللّه تعالى . والجواب : إن مقدمة الآية هي قوله : يَرِثُنِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 4 » : وهذه الوراثة هي وراثة الدين والنبوة ، لا وراثة المال . ويدل عليه وجهان : الأول : إن جمهور المفسرين قالوا بذلك . والثاني : إن عمل مبالغة الرسول المعصوم وهو زكريا عليه السلام على حفظ مصالح الدين ، أولى من عمله على حفظ مصالح الدنيا ، فثبت : أن المراد من قوله « يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » وراثة الدين والنبوة . ثم إنه تعالى قال بعده : وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فوجب أن يكون مراده منه : كونه رضيا في الدين . لأن حمل اللفظ المجمل على المذكور السابق ، أولى من حمله على الشيء الأجنبي .

--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 40 . ( 2 ) سورة مريم ، آية : 6 . ( 3 ) فإن قيل الأسئلة ما تقدم - والذي . . . الخ [ الأصل ] ( 4 ) سورة مريم ، آية : 6 .