فخر الدين الرازي
164
المطالب العالية من العلم الإلهي
ولا معنى للتصيير إلا إيجاد الصفة فيه . وأما الوجوه التي ذكروها . فقد اتفق أهل اللغة على أنها مجازات . والأصل في الكلام هو الحقيقة . ثم نقول : أما حمل الجعل على الحكم والتسمية فباطل من وجوه : الأول : لو كان كذلك ، لكان من أخبر أن اللّه : موجود ، حي ، عالم ، قادر . لزم جواز أن يقال : إنه جعل اللّه موجودا عالما قادرا . ومعلوم أنه باطل . الثاني : لا نزاع أن الجعل حقيقة في التصيير ، فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره ، دفعا للاشتراك . الثالث : إن بتقدير أن يكون المراد منه هو الحكم والتسمية . لكن الجبر على هذا التقدير أيضا لازم ، لما ثبت في باب العقليات : أن ما أخبر اللّه عنه ، فإن خلافه يفضي إلى الكذب في كلام اللّه . وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان خلافه محالا ، فكان حصوله واجبا ، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين . فثبت : أن هذا الوجه الذي ذكروه ، فإنه مع غاية ضعفه ، لو صح ؛ فإن يقوى مذهبنا ويؤكده . قوله : « لما لا يجوز حمله على طلب الألطاف ؟ » قلنا : هذا أيضا مدفوع لوجوه : الأول : إن لفظ الجعل مضاف إلى الاسلام ، فصرفه إلى غيره مخالفة للظاهر . الثاني : إن عندكم كل ما أمكن فعله من الألطاف ، فقد فعله اللّه . فحمل هذا السؤال على طلب الألطاف يكون طلبا لتحصيل الحاصل . وهو محال . الثالث : إن تلك الألطاف . إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، أو لا يكون . فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح ، كان أمرا أجنبيا عن الإيمان ، جاريا مجرى نعيق الغراب ، وصرير الباب . وأما إن كان