فخر الدين الرازي

165

المطالب العالية من العلم الإلهي

لتلك الألطاف أثر في الترجيح . فنقول : متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب . وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح . إما أن يجب الفعل أو يمتنع ، أو لا يجب ولا يمتنع . فإن وجب فهو المطلوب . وإن امتنع فهو مانع لا مرجح . وإن لم يجب ولم يمتنع ، فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ، ولا وقوعه أخرى . فاختصاص أحد الوقتين بالوقوع والوقت الآخر باللاوقوع . إن كان لانضمام أمر آخر إليه كان اللطف المؤثر في الترجيح هو المجموع الحاصل مما حصل أولا . ومن هذه الضمانة فلا يكون الذي فرضناه حاصلا ، مؤثرا البتة في شيء من الترجيح ، وكنا فرضناه كذلك . هذا خلف . وإن لم يكن لانضمام قيد آخر إليه ، لزم الرجحان من غير مرجح . وهو محال . فثبت : أن عند حصول ذلك اللطف يجب حصول الفعل ، وعند عدمه يمتنع . وذلك يعود إلى ما ذكرناه من أن حصول الفعل عند مجموع القدرة والداعي واجب . وذلك هو عين مذهبنا . أما قوله : « لما كانا مسلمين ، كان إقدامها على طلب الإسلام طلبا لتحصيل الحاصل . وهو محال » فنقول : الجواب عنه من وجوه : الأول : إن الإسلام عرض قائم بالقلب ، والعرض لا يبقى . فقوله : « اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » معناه : طلب أن يخلق اللّه ذلك العرض في قلبه في الزمان المستقبل . ومعلوم أن طلب تحصيله في الزمان المستقبل ، لا ينافي كونه حاصلا في الحال . الثاني : أن يكون المراد منه : الزيادة في الإسلام ، كقوله تعالى : لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ « 1 » وقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « 2 » وقال إبراهيم عليه السلام : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الفتح ، آية : 4 . ( 2 ) سورة محمد ، آية : 17 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية : 260 .