فخر الدين الرازي
158
المطالب العالية من العلم الإلهي
في المحل . والأصل عدم الاشتراك . والمجاز يوجب كون هذا اللفظ موضوعا بإزاء القدر المشترك بينهما . وذلك القدر المشترك هو أن يكون المظروف حاصلا في داخل الظرف ، سواء كان ساريا فيه ، كما في العرض والمحل ، أو موضوعا في جوفه ، كما في الماء والكوز . وإذا جعلنا لفظ « في » بإزاء هذا المعنى المشترك ، وجب أن يدخل تحته جميع أنواعه ، رعاية لعموم قوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . قوله : « اللام لعود المنفعة » قلنا : هذا يشكل بقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » واللّه أعلم . الحجة الثالثة عشر : قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما : باطِلًا « 2 » . هذا النص يقتضي أنه تعالى خالق لكل ما بين السماء والأرض ، بشرط أن يكون خالقا لها . لا لغرض باطل . وأفعال العباد موجودة بين السماء والأرض ، فوجب كونها مخلوقة للّه تعالى . فإن قيل : الشيء لا يوصف بأنه بين السماء والأرض ، إلا إذا كان جسما . وأفعال العباد لا تدخل تحت هذا النص . وأيضا : فهذه الآية حجة عليكم من وجوه : الأول : إنها صريحة في أنه تعالى ما خلق باطلا أصلا . وذلك يقتضي أن خالق الكفر والمعاصي ليس هو اللّه تعالى . الثاني : إنه تعالى قال بعده : ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ « 3 » أضاف الظن إليهم ، وأضاف الكفر إليهم ، وتوعدهم على ذلك الكفر . وكيف يعقل أن يتوعد اللّه عباده على ما خلقه فيهم ؟ الثالث : إنه قال بعده : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 10 . ( 2 ) سورة ص ، آية : 27 . ( 3 ) سورة ص ، آية : 27 .