فخر الدين الرازي

159

المطالب العالية من العلم الإلهي

كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ « 1 » ؟ وهذا الفرق إنما يبقى معتبرا ، لو كان الصلاح والفساد من قبل العبد . والجواب : قوله : « الشيء لا يوصف بأنه بين السماء والأرض ، إلا إذا كان جسما » فجوابه : ما تقدم في بيان أفعال العباد : أنه يصدق عليها أنها في الأرض . قوله : « النص دل على أنه تعالى ما خلق الباطل » قلنا : النص دل على أنه تعالى ما خلق شيئا لغرض باطل . لأن قوله : « باطلا » مفعول له . وعندنا : أن الأمر كذلك . لأن عندنا أنه تعالى لا يخلق شيئا لغرض أصلا . وإذا لم يكن له غرض ، لم يكن له غرض باطل . بل عندنا أنه تعالى يخلق الأشياء بحكم الإلهية والمالكية . فإنه ليس لأحد عليه أمر ولا نهي . وبالجملة : ففرق بين قولنا : لا يخلق الباطل ، وبين قولنا : لا يخلق شيئا لغرض باطل . والمذكور في النص هو الثاني ، لا الأول . وذلك لا ينفعهم ولا يضرنا . وأما بقية أسئلتهم فهي إشارة إلى أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، لامتنع أمره ونهيه ومدحه وذمه . وهذا هو شبهتهم الكبرى ، وسيجيء الجواب عنها ، إن شاء اللّه تعالى . الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ، ثُمَّ هَدى « 2 » والمراد من قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ هو أنه خلق كل شيء . واعلم : أن هذا النص يجب أن يكون من المحكمات ، لا من المتشابهات . ويدل عليه وجهان : الأول : إن فرعون سأل موسى - عليه السلام - عن هذه المسألة .

--> ( 1 ) ص 28 . ( 2 ) سورة طه ، آية : 50 .