فخر الدين الرازي
157
المطالب العالية من العلم الإلهي
وأفعال العباد موجودة في ذواتهم ، وذواتهم موجودة في الأرض . والموجود في الموجود في الشيء ، موجود في الشيء . فصح أن أفعال العباد موجودة في الأرض . فقوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يدل على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد . فإن قيل : أهل اللغة نصوا على أن كلمة « في » للظرفية . وإنما يدخل في هذه الآية : ما يكون حاصلا في الأرض ، حصول المظروف في الظرف . وهي الأشياء المودعة في الأرض . كالحيوانات والجمادات . أما أفعال العباد ، فهي أعراض ، ولا حصول لها في الأرض ، على وفق حصول المظروف في الظرف ، بل على وفق حصول العرض في المحل . سلمنا : أن كلمة « في » تتناول ما يحصل في الشيء ، حصول الدرّة في الحقّة . وما يحصل في الشيء حصول العرض في المحل . إلا أن هذين المعنيين معنيان مختلفان بالماهية ، فكان لفظ « في » بالنسبة إلى هذين المفهومين ، لفظا مشتركا . وحمل اللفظ المشترك على كل مفهوميه غير جائز . فلم كان حمله على ما ذكرتم أولى من حمله على ما ذكرنا ؟ وعليكم الترجيح . بل ما ذكرناه أولى . ويدل عليه وجوه : الأول : إن اللام في قوله « لكم » لعود المنفعة . وهذا لا يطرد في الكفر والفسوق والعصيان ، لأنها غير نافعة للعباد ، بل ضارة لهم . الثاني : إن قوله : « خَلَقَ لَكُمْ » يقتضي أن تلك الأشياء صارت مخلوقة ، وحصل الفراغ منها ، وأفعال العباد ليست كذلك . الثالث : إن قوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ يقتضي كون كل واحد من هذه المخلوقات مخلوقا لكل أحد . وأفعال العباد ليست كذلك . لأنه لا انتفاء بكل واحد منها إلا لفاعله فقط . واللّه أعلم . والجواب : إن كلمة « في » مستعملة في قولنا : الماء في الكوز ، وفي قولنا : العرض