فخر الدين الرازي

152

المطالب العالية من العلم الإلهي

سلمنا : أن هذه الآية تفيد أنه لا خالق إلا اللّه . إلا أنا نقول : العبد محدث لأفعال نفسه وموجد لها . ولا نقول : إنه خالق لها . لأن الخلق عمارة عن التقدير . فالخالق هو الذي يقع فعله مقدرا بالتقدير الذي يقدره به ، على الوجه الذي يوقعه عليه . وهذا لا يصح إلا من اللّه تعالى . فأما العبد فإنه في أكثر الأمر يقدر شيئا ، ويقع بخلافه . فلا جرم لم يجز إطلاق اسم الخالق عليه . واللّه أعلم . والجواب : إنا قد دللنا في كتاب « لوامع البينات . في تفسير الأسماء والصفات » : إن اللّه اسم علم . وثبت أن اسم العلم لا يفيد فائدة سوى دلالته على الذات المخصوصة . ولهذا السبب قالوا : إن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . إذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن أن يكون الحصر عائدا إلى مفهوم قولنا « اللّه » هو تلك الذات المخصوصة ، فلو عاد الحصر إليه ، لصار معنى الكلام : إن ذلك المعين ليس إلا ذلك المعين ، ومعلوم : أن هذا الكلام عبث ، لأن كل شيء معين ، فذاك ليس إلا ذاك فلا يبقى لتخصيص ذات اللّه بهذا الحصر فائدة . فثبت : أن هذا الحصر لا يمكن عوده إلى مفهوم قولنا « اللّه » فوجب أن يكون هذا الحصر عائدا إلى المفهوم من لفظ الخالق . وحينئذ يصير تقدير الآية : هو الخالق . وذلك يقتضي حصر الخالقية فيه . وأما السؤال الثاني . فجوابه : إن الخالق بمعنى المقرر هو الذي يوقع الشيء على مقدار مخصوص . فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه ، لكان العبد موجدا لها على مقاديرها المخصوصة في العدد والزمان والمكان . فكان مقدرا لها ، فوجب كونه خالقا لها ، وحينئذ يبطل الحصر الذي دلت الآية عليه . أقصى ما في الباب : أن أفعال العباد قد تقع في بعض الأوقات ، بخلاف تقديراتهم . إلا أن كون الاسم حقيقة في جانب الثبوت ، يكفي في حصوله حصول ذلك المسمى في بعض الصور ، ولا يتوقف على حصول ذلك المسمى في كل الصور . وباللّه التوفيق . الحجة السادسة : قوله تعالى في أول سورة الفرقان : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ