فخر الدين الرازي

151

المطالب العالية من العلم الإلهي

والجواب : إنا إذا جعلنا قوله : كُلَّ شَيْءٍ : مبتدأ ، وجعلنا قوله : خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ : خبرا عنه . فحينئذ يحصل مقصودنا . فنقول : هذا الاحتمال أولى من الاحتمال الذي ذكرتم . ويدل عليه وجهان . الأول : إنا بينا أن القراءة بالنصب تفيد المعنى الذي ذكرناه ، فوجب حمل القراءة بالرفع على هذا المعنى أيضا . حتى تصير القراءتان متوافقتين في فائدة واحدة . الثاني : إن على التقدير الذي ذكرتم لا يتم الكلام إلا بإضمار أمر زائد على المذكور . وذلك لأن قوله : كُلَّ شَيْءٍ مبتدأ ، وقوله : خَلَقْناهُ صفة لذلك المبتدأ . فيبقى قوله بِقَدَرٍ تمام الخبر . إلا أن هذه الباء ، لا بد وأن تكون متعلقة بفعل مقدر ، فيصير المعنى : إنا كل شيء خلقناه . فإنما خلقناه بقدر ، أو فعل آخر يجري هذا المجرى . فثبت : أن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار . أما إذا قلنا : إن قوله : كُلَّ شَيْءٍ مبتدأ ، وقوله : خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ خبر له . لم يحتج إلى الإضمار . ومعلوم أن الأصل عدم الإضمار ، فكان هذا التقدير أولى . وبقية الأسئلة على التمسك بهذه الآية ، هي التي تقدم ذكرها في الحجة الأولى . واللّه أعلم . الحجة الخامسة : قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ « 1 » وجه الاستدلال : أن هذا التركيب يفيد حصر الخبر والمبتدأ ، كما يقال : زيد هو السلطان في هذا البلد . أي : لا سلطان إلا هو . فكذا قولنا : هو اللّه الخالق . معناه : أنه لا خالق إلا هو . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : « هُوَ » : مبتدأ . و اللَّهُ الْخالِقُ خبره . وهذا يقتضي أن لا يكون في الوجود إله خالق سوى اللّه ، ولا يقتضي أن لا يكون في الوجود خالق سوى اللّه . كما إذا قلنا : هو الواجب في موجوديته . فإنه لا يقتضي أنه لا موجود سواه ، بل يقتضي أنه لا موجود واجب الوجود سواه .

--> ( 1 ) آخر الحشر .