فخر الدين الرازي
139
المطالب العالية من العلم الإلهي
الأول : إن التقدير عبارة عن الفكرة والروية والظن والحسبان . وذلك في حق اللّه تعالى ممتنع . ولما امتنع حمل كونه خالقا لأفعال العباد ، على معنى التقدير ، وجب حمله على معنى الإحداث . الثاني : هب أن كونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، عبارة عن كونه تعالى مقدرا لها إلا أن التقدير عبارة عن إيقاع ذلك الفعل في زمان مخصوص ، ومحل مخصوص ، على وجه مخصوص . وهذا المعنى لا يتأتى إلا ممن كان محدثا للفعل . فلما ثبت بهذا النص : أنه تعالى مقدر لأفعال العباد ، وثبت بالعقل : أن مقدر الأفعال يجب أن يكون موجدا لها ، لزم من مجموع الأمرين كونه تعالى موجدا لأفعال العباد . لأنا نقول : أما الأول . فجوابه : إن التقدير عبارة عن إيقاع الفعل على قدر مخصوص . وهذا المعنى لا يحصل إلا بالعلم أو الظن . ثم إن كان العلم حاصلا ، كما في حق اللّه تعالى ، فلا حاجة إلى الفكرة ، وإن لم يكن حاصلا كما في حق العبد . فهناك يحتاج إلى الفكرة لتحصيل ذلك العلم ، أو ذلك الظن . وأما السؤال الثاني : فجوابه : أن نقول : إنه تعالى مقدر لأفعال العباد . بمعنى أنه تعالى حاكم بوقوعها على تلك المقادير ، كما يقال : فلان يكفر فلانا ، أو يضلله . إذا حكم بكفره وضلاله . سلمنا : أن الخلق هو الإحداث . لكن لم قلتم : إن الآية تتناول أفعال العباد ؟ ولا نسلم أن لفظة « كل » تفيد الاستغراق . وبيانه : إن لفظة « كل » كما تستعمل في الاستغراق ، فقد تستعمل أيضا في الأكثر الأغلب . يقال : أكلت كل هذه الرمانة ، وإن كان ربما تساقط منها حبة أو حبتان . ويقال : كل هذا الثور أبيض ، وإن كان ربما حصلت شعور قليلة غير بيض في جلده . ولا ننكر أن أفعال العباد ، بالنسبة إلى جميع مخلوقات اللّه تعالى ، كالقليل بالنسبة إلى الكثير ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » : ما سوى أفعال العباد ؟ . لا يقال : لفظ الكل حقيقة في الاستغراق . لأنا نقول : هذا مدفوع من وجهين :