فخر الدين الرازي

140

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول : لا نسلم أن لفظ « كل » مجاز في الأغلب . فما الدليل عليه ؟ الثاني : سلمنا أنه كذلك ، إلا أنه مجاز متعارف مشهور . فالقول بأنه لا يجوز حمل هذا اللفظ على مثل هذا المجاز ، لا يفيد إلا الظن . وهذه المسألة قطعية . والدليل الظني لا يجوز التمسك به في المسألة القطعية . وعلى هذا الحرف تعويل أهل السنة والجماعة ، في الجواب عن استدلال المعتزلة بالعمومات في مسألة الوعيد . سلمنا : أن لفظ « كل » يفيد العموم . إلا أن هذه الآية عام ، دخله التخصيص ، فوجب أن لا يكون حجة . إنما قلنا : إنه عام . دخله التخصيص ، لأنه تعالى شيء . ويمتنع أن يكون خالقا لنفسه . لا يقال : لا نسلم أن هذه الآية قد دخلها التخصيص . وبيانه من وجهين : الأول : لا نسلم أن اسم الشيء يقع على اللّه تعالى . ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » والكاف معناه : المثل . فصار تقدير الآية : ليس مثل مثل اللّه شيء . ومثل مثل الشيء : عين ذلك الشيء . فكانت هذه الآية دالة على أن اللّه تعالى لا يقع عليه اسم الشيء . وقولهم : الكاف زائدة : ضعيف . لأن الأصل : صون كلام اللّه عن اللغو . الثاني : لو كان تعالى بالشيء ، لزم دخول التخصيص ، في قوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بالنسبة إلى اللّه تعالى . إلا أن مثل هذا التخصيص لا يجوز . وذلك لأن التخصيص إنما يجوز في الشيء الحقير ، الذي لا يؤبه به ، كما ضربنا من المثال في قولنا : كل هذا الثور أبيض . وإن كان قد حصلت شعيرات سود في جلده . فأما إذا كان الخارج عن صيغة العموم ، هو الأعظم الأشرف ، فإنه لا يجوز . ومعلوم أن اسم الشيء لو وقع على اللّه ، لكان أشرف الأشياء هو اللّه . بل كان سائر الأشياء بالنسبة إليه - سبحانه - كالعدم . وعلى هذا التقدير يكون الخارج عن هذا العموم ، هو الأكمل الأشرف ، والباقي فيه ، هو الأخس الأقل . ومثل هذا يكون كذبا .

--> ( 1 ) سورة الشورى ، آية : 11 .