فخر الدين الرازي
89
المطالب العالية من العلم الإلهي
الكعبة أو غيرها . وكذلك المقصود من اجتماع الخلق الكثير في الموضع الواحد ، لأجل أداء الطاعات والعبادات أن تصير كثرة الأرواح المتوجهة إلى استنزال رحمة اللّه تعالى ، سببا لقوة ذلك التأثير ولتكميله ، وهذا لا يتفاوت بأن تكون تلك الجمعية حاصلة في يوم الجمعة ، أو في يوم السبت ، أو في يوم الأحد . إذا عرفت هذا ، فنقول : ظهر بهذا البحث : أن الأشياء التي اختلفت الشرائع فيها : أمور لا فائدة البتة ، بحسب المطالب الأصلية . فلم يبق إلا أن يقال : الغرض من التشديد في إظهارها : أن يصير ذكر ذلك المتقدم مندرسا ، وأن يصير ذكر هذا الثاني باقيا ، فيما بين الناس . ولا فائدة في ذلك إلا طلب الرئاسة في الدنيا [ والتفوق على الخلق . فلما شرعوا القتل والنهب والإيذاء والإيلام ، لتقرير هذه المعاني ، علمنا : أنه ليس بصواب . وظهر أن المقصود منه ليس « 1 » ] إلا طلب الرئاسة في الدنيا ، فيكون باطلا . الشبهة الثانية للقوم : قالوا : إن حكم العقل في التحسين والتقبيح . إما أن يكون معتبرا ، وإما أن لا يكون ، وعلى التقديرين ، فالقول بالنبوة : مشكل . أما القسم الأول : وهو أن يكون التقدير : أن يكون حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولا . فنقول : إنه متى كان الأمر كذلك ، كانت بدائه العقول قاضية بأن الإنسان إذا كان قلبه خاليا عن [ الالتفات إلى الدنيا وشهواتها ، وكان خاليا عن « 2 » ] الاشتغال بغير اللّه تعالى ، وكان غريقا في نور معرفة اللّه تعالى ، وفي ذكره ، فهذا الإنسان إذا مات ، وجب أن يكون من السعداء الأبرار ، لكنا نرى أن الأنبياء يقولون : إن من كان حاله على ما ذكرناه ، ثم إنه غفل عن الإقرار بالنبوة والرسالة ، أو كان متوقفا فيه ، كان كافرا من أهل العذاب الدائم ، والعقاب المخلد ، ولما ثبت أن حكم العقل في الإنسان المذكور أن يكون من السعداء الأبرار ، وثبت أن حكم الشرع فيه أن يكون من الأشقياء الكفار ، ثبت : أن حكم الشرع مخالف لحكم العقل ، ولما
--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) .