فخر الدين الرازي

76

المطالب العالية من العلم الإلهي

والتاسع : إن جماعة الصوفية « 1 » من المسلمين ، ومن النصارى على كثرتهم ، وتفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها ، ينقلون ظهور الكرامات العظيمة على سلفهم وشيوخهم [ وأكثر المتكلمين . ولا سيما المعتزلة « 2 » مصرون على تكذيبهم فيه . والعاشر : إنك لا ترى فرقة من فرق الدنيا ، ولا طائفة من طوائف أهل العالم إلا وهم ينقلون عن شيوخهم وسلفهم « 3 » ] أنواعا من الفضائل والمناقب ، والكرامات . مع أن مخالفيهم ينكرونها بأسرها ، وينقلون عنهم أنواع المثالب والمعايب والفضائح والقبائح . وكل واحد من الخصمين يدعي ظهور تلك الروايات وبلوغها مبلغ التواتر ، وذلك يوجب وقوع التعارض والتدافع في الأخبار المتواترة . واعلم أن المتكلمين أجابوا عن ادعاء اليهود : حصول التواتر في أن موسى عليه السلام قال : « إن شريعتي لا تصير منسوخة » بأن قالوا : إن « بخت نصر » قتلهم بالكلية ، ولم يبق منهم إلا عدد قليل ، يمكن إطباقهم على الكذب . وإذا كان الأمر كذلك ، فقد خرجت روايتهم عن حد التواتر « 4 » .

--> ( 1 ) ما أساء إلى الإسلام إلا المتصوفة . ويجب على العلماء تأليف الكتب الكثيرة في نقد التصوف . وذمه ، والتبرؤ ممن يدين بالتصوف من المسلمين . ويجب عليهم هدم القباب والأضرحة وتطهير مساجد اللّه من البدع والخرافات . وإقناع العوالم من المسلمين بأن الأولياء أحياء أو أمواتا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا . ( 2 ) لو لم يكن للمعتزلة من فضل إلا ذم المتصوفة ، لكان هذا الفضل كاف في الحكم عليهم بأنهم من المصطفين الأخيار . ( 3 ) من ( ل ) ، ( ط ) . ( 4 ) الإجابة الصحيحة على أن موسى لم يقل : شريعتي لا تصير منسوخة : أن في التوراة نبوءات أخبر بها موسى عن مجيء نبي من بعده ناسخ لشريعته . ومنها في الأصحاح الثامن عشر من سفر التثنية : « يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسعون . . . الخ فقوله : « له تسمعون » يدل على أن بني إسرائيل مكلفون بسماع كلام النبي المنتظر ، حتى ولو أمرهم بترك شريعة موسى . ويدعي النصارى : أن المشار إليه بهذه النبوءة هو عيسى عليه السلام . والنص لا يشير إليه لأنه من بني إسرائيل وقوله : « من إخوتك » تعني جنسا غير بني إسرائيل . ويقول المسلمون : إنه محمد صلّى اللّه عليه وسلم لأن التوراة نصت على بركة لآل إسماعيل [ تكوين 17 : 20 ] والبركة تعني : الملك والنبوة وإسماعيل أخ لإسحاق عليهما السلام .