فخر الدين الرازي

31

المطالب العالية من العلم الإلهي

والقبح ، والمصلحة والمفسدة ، كان أصل المقصود حاصلا ، وأما مراتب التأكيد فغير مضبوطة . فإنه لو حصل مع ذلك النبي جمع من الملائكة ، كان التأكيد أكثر ، ولو حصل معه جمع من العساكر المعصومين ، لكان التأكيد أبلغ . ولكن لما حصل المقصود الأصلي ، لم يكن إلى هذه الزوائد حاجة . فكذا هاهنا . ولأن المقصود من التأكيد : السعي في دفع المفسدة ، بأقصى الوجوه ، والأنبياء - عليهم السلام - يقولون : إن من أعرض عن متابعتنا فإنه يستحق أعظم العقاب . وعلى هذا التقدير تصير البعثة سببا لأعظم أنواع المفاسد . وهو استحقاق العذاب الدائم ، على تقدير مخالفتهم ، وترك متابعتهم . وهذا متناقض . وأما الوجه الثاني : وهو قوله : « المقصود من البعثة : التنبيه على ما في الأشياء من المنافع » فنقول : تمك المنافع إن كانت ضرورية التحصيل ، كانت معلومة للكل . لأن على هذا التقدير لا تحصل الحياة إلا بها . وإن كانت غير ضرورية التحصيل . فحينئذ لا يلزم من فواتها حصول ضرر أصلا ، فوجب الاحتراز عنها . على ما بيناه في تقرير الدليل . وأما قوله : « هذه العبادات ألطاف في فعل الواجبات العقلية » فنقول : هذا باطل لوجهين : الأول : إن معنى كون فعل الأول لطفا في فعل الثاني : هو أن فعل الأول يدعو الفاعل إلى فعل الثاني . وهذا المعنى بتقدير حصوله ، يكون حالة وجدانية من النفس بالضرورة . ونحن البتة لا نجد من أنفسنا : الإتيان بالصلاة والصوم يدعونا إلى رد الوديعة ويحملنا على ترك الظلم . فثبت : أن هذه الحالة لو كانت موجودة ، لكان العلم بحصولها : علما ضروريا . وثبت : أن هذا العلم الضروري مفقود ، فوجب أن لا يكون هذا المعنى حاصلا . والثاني : إنه لو كان وجوب هذه العبادات الشرعية ، لأجل أن تصير ألطافا في الواجبات العقلية ، لكان المكلف إذا رد الوديعة ، وترك الظلم ؛ وجب أن لا يجب عليه شيء من هذه العبادات . لأن بعد حصول المطلوب