فخر الدين الرازي
32
المطالب العالية من العلم الإلهي
فيه ، كان إيجاب اللطف عبثا . وذلك عند كم باطل . الحجة الثانية في بيان أن العقل كاف في معرفة المهمات : هو أن نقول : المطلوب إما معرفة الأشياء الغائبة عن الحواس ، أو معرفة الأشياء « 1 » الحاضرة عند الحواس . أما الأول فنقول : العقول كافية في معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه . والدليل عليه : أن معرفة نبوة الأنبياء - عليهم السلام - متفرعة على معرفة الإلهيات ، فلو فرعنا معرفة الإلهيات على النبوات ، وقع الدور . وأنه باطل . وأما معرفة مهمات المعاش ومصالح الدنيا فإنها غير موقوفة على بعثة الأنبياء والرسل . لأنا نرى من لا يؤمن باللّه ورسوله واليوم الآخر ، يسعى في تحصيل هذه المصالح على أحسن الوجه . فعلمنا : أن التصرف فيها لا يتوقف على بعثة « 2 » الأنبياء ، ولأن العقول الوقادة ، والخواطر الغواصة ، وافية بتحصيل هذه المطالب . وأما كيفية العبادات ، فهي أيضا معلومة بالعقول . لأن كل عمل يكون الإخلاص للّه تعالى فيه أكمل وأتم ، كان إلى القبول أقرب ، وكل عمل يشوبه غرض [ من الأغراض العاجلة « 3 » ] فإنه لا يكون في محل القبول . وأيضا : لما شهد العقل : بأن الدنيا فانية ، وبأن الآخرة باقية ، حكم صريح العقل : بأنه يجب السعي في تقليل حب الدنيا ، وتقوية حب الآخرة . فهذه الأصول هي المطالب الأصلية للخلق ، والعقول وافية فيها بأسرها . فعلمنا : أن العقول وافية بمعرفة جميع مهمات الدنيا والآخرة والدين . الحجة الثالثة : إن العلم بنبوة الأنبياء ، ووصول التكاليف من اللّه تعالى إلى الخلق ، لا يتم إلا بعد أن يعرف بالعقل ، معرفة اللّه تعالى بذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه . وإذا كان العقل وافيا بهذه المطالب العالية الشريفة ، كان أيضا وافيا بمعرفة مصالح الدنيا والآخرة . على ما بيناه في
--> ( 1 ) الأشياء الغير الغائبة عن الحواس ( ت ، ط ) . ( 2 ) معرفة ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) سقط ( ت ) .