فخر الدين الرازي

27

المطالب العالية من العلم الإلهي

بالطريق الأدون الأنقص ؟ وأما القسم الثاني : هو أن يقال : إنه إنما كلفه لأجل المنافع المستقبلة . فنقول : هذا أيضا ممتنع . وبيانه من وجهين « 1 » : الأول : وهو : أنه لما علم من أحوال الكفار والفساق أنهم لا يتوصلون بهذا التكليف إلا لاستحقاق العذاب الشديد ، والآلام العظيمة . كان القول بأنه إنما كلفهم للفوز بالمنافع : كلام متناقض . الثاني : وهو أنه لو أراد بهم ذلك ، لوجب أن يفرغهم من متاعب الدنيا وآلامها ، وأن يظهر لهم الدلائل الواضحة ، في أن الحق هو ذلك . ولما لم يفعل بهم ذلك ، بل أحوجهم إلى الأشياء الكثيرة ، وعلم أن تلك الحاجات تحملهم على المعاصي ، ثم سلط عليهم الشهوات والشبهات ، وسلط عليهم شياطين الإنس والجن . ومن فعل بالعبد الضعيف الذي يقل عقله ، وتضعف قدرته هذه المعاملة ، ثم يزعم : أنه أراد به الخير ، والفوز بالرحمة ، كانت العقول تنادي عليه : بأنه ما قصد إلا الإساءة إليه والإيذاء . والكلام في هذه المباحث مفرع على تحسين العقل وتقبيحه ، فثبت : أن هذين « 2 » الوجهين ينافيان القول بجواز التكليف . الحجة الرابعة : إنه تعالى كان قادرا على أن يخلق الكل في الجنة ، وأن يوصلهم إلى الخيرات والدرجات ، وأن يحميهم عن منازل الآفات والمخافات . فلو أراد بهم خيرا لخلقهم على هذه الصفة ولما لم يفعل ذلك ، بل سلط عليهم الشهوات والشبهات ، وملأ العالم من الشياطين . علمنا أنه ما أراد بهم خيرا . وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع أن يقال : إنه كلفهم لأجل التعريض للمصالح . أما القول الأول : وهو أنه كلفهم لا لغرض ومصحلة ، فهذا عبث ، والعبث قبيح في العقل ، ونحن إنما نتكلم الآن على تسليم أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا . فيثبت بهذه البيانات : أن على تقدير أن يكون تحسين

--> ( 1 ) من وجوه : الأصل . ( 2 ) هذه الوجوه تنافي القبول ( ت ) .