فخر الدين الرازي
170
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثالث : إن بسبب سرعة حركة القمر ، تمتزج أنوار الكواكب بعضها بالبعض وبحسب تلك الامتزاجات تختلف حال الآثار الحاصلة في هذا العالم . والرابع : إن أقوى الفاعلتين هو الحرارة ، وأشد المنفعلتين استعدادا لقبول الأثر هو الرطوبة . ومتى لقي الفاعل القوي في التأثير المنفعل القوي في القبول : قوي الأثر ، وكمل الفعل . فلهذا السبب كان الموجب لحدوث الكائنات تأثير الحرارة في الرطوبة . وينبوع الحرارة هو الشمس . وينبوع الرطوبة هو القمر . فكان الشمس كالأب . والقمر كالأم . وعند اجتماعهما تحدث المواليد . وأما سائر الكواكب فهي كالأعوان . فلهذا السبب وجب الاعتناء بمعرفة أحوال النيرين . ثم نؤكد ما ذكرناه بوجوه أخرى : الأول : إن سلطان النهار : الشمس . وسلطان الليل : القمر . والزمان ينقسم إلى هذين القسمين : الليل والنهار . والثاني : إنهم أجمعوا على أن لطالع الاستقبال والاجتماع أثرا عظيما في أحوال هذا العالم ، ولم يعتبروا أحوال الاجتماع والاستقبال في سائر الكواكب ، مثل ما اعتبروا في النيرين . والثالث : إن الأطباء أطبقوا على توزيع أمر البخرانات ، على أحوال حركة القمر . وعلى توزيع أحوال المد والجزر في البحار ، على أحوال حركة القمر . والرابع « 1 » : إن القمر شديد الاتصال بالشمس . بدليل : أن بيته متصل ببيت الشمس ، وبيت شرفه متصل ببيت شرف الشمس ، بل قالوا : إن شرف الشمس في التاسع عشر من الحمل ، والقمر إذا قارن الشمس ، فإنه لا يصير ممكن الرؤية ، إلا إذا تباعد عنها بمقدار اثنتي عشرة درجة . ولما كانت الدرجات قد تختلف مقاديرها ، بسبب اختلاف المطالع ، جعلوا درجة شرف القمر في
--> ( 1 ) القسم الرابع ( ت ) .