فخر الدين الرازي

103

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الأول في تمييز هذا الطريق عن الطريق المتقدم فنقول « 1 » : أعلم أن القائلين بالنبوات فريقان : أحدهما : الذين يقولون : إن ظهور المعجزات على يده ، يدل على صدقه . ثم إنا نستدل بقوله على تحقيق الحق ، وإبطال الباطل . وهذا القول هو الطريق الأول ، وعليه عامة أرباب الملل والنحل « 2 » . والقول الثاني : أن نقول : إنا نعرف أولا أن القول في الاعتقادات ما هو ؟ وأن الصواب في الأعمال ما هو ؟ فإذا عرفنا ذلك ، ثم رأينا إنسانا يدعو الخلق إلى الدين الحق ، ورأينا أن لقوله أثرا قويا في صرف الخلق من الباطل إلى الحق ، عرفنا أنه نبي صادق ، واجب الاتباع . وهذا الطريق أقرب إلى العقل ، والشبهات فيه أقل . وتقريره لا بد وأن يكون مسبوقا بمقدمات : المقدمة الأولى : أعلم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير

--> ( 1 ) عبارة النسخ : « القسم الثاني من كتاب النبوات في تقرير القول بالنبوة على طريق آخر ، وفيه فصول . الفصل الأول في تمييز . . . الخ » . ( 2 ) وهو الصحيح لأن الناس لما كانوا يكرهون من يتميز عليهم ، يطلبون من الذي يقول لهم : إني نبي ، يطلبون منه شيئا خارقا للعادة ، وهو المعجزة . واللّه تعالى يظهر المعجزة دلالة على أنه صادق ، وهذا واضح من معجزات صالح وموسى وعيسى عليهم السلام . أما الطريق الثاني وهو كون النبي كاملا ، ويقدر على تكميل الناقصين ، فقول يقول به من الفلاسفة من ينكر خرق العادات ، وينكر الملائكة . وهو قول باطل ، لأن القرآن أشار إلى المعجزات في إثبات النبوة . . .