فخر الدين الرازي

104

المطالب العالية من العلم الإلهي

لأجل العمل به ، والمراد منه : أن كمال حاله محصور في أمرين : أحدهما : أن تصير قوته النظرية كاملة بحيث تتجلى فيها صور الأشياء وحقائقها ، تجليا كاملا تاما ، مبرأ عن الخطأ والزلل . والثاني : أن تصير قوته العملية كاملة بحيث يحصل لصاحبها ملكة ، يقدر بها على الإتيان بالأعمال الصالحة . والمراد من الأعمال الصالحة : الأحوال التي توجب النفرة عن السعادات البدنية ، وتوجب الرغبة في عالم الآخرة ، وفي الروحانيات . فقد ظهر بهذا : أن لا سعادة لإنسان إلا بالوصول إلى هاتين الحالتين . وهذه المقدمة مقدمة أطبق الأنبياء على صحتها ، واتفق الحكماء الإلهيون على صحتها أيضا . ولا يرى في الدنيا عاقل كامل ، إلا ويساعد عليها . المقدمة الثانية : إن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : أحدهما : الذين يكونون ناقصين في هذه المعارف ، وفي هذه الأعمال ، وهم عامة الخلق ، وجمهورهم . وثانيهما : الذين يكونون كاملين في هذين المقامين ، إلا أنهم لا يقدرون على علاج الناقصين [ وهم الأولياء وثالثهما : الذين يكونون كاملين في هذين المقامين ، ويقدرون أيضا على معالجة الناقصين « 1 » ] ويمكنهم السعي في نقل الناقصين من حضيض النقصان ، إلى أوج الكمال . وهؤلاء هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهذا تقسيم معلوم مضبوط . المقدمة الثالثة : إن درجات النقصان والكمال في القوة النظرية ، وفي القوة العملية كأنها غير متناهية بحسب الشدة والضعف والقلة والكثرة . وذلك أيضا معلوم بالضرورة . المقدمة الرابعة : إن النقصان وإن كان شاملا للخلق ، عاما فيهم . إلا

--> ( 1 ) سقط ( ت ) .