فخر الدين الرازي

421

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الثامن في الكلام على التناسخ اعلم : أن القوم زعموا : أن هذه الآلام الموجودة في هذا العالم ، إنما حصلت بتخليق [ اللّه تعالى « 1 » ] وثبت : أنه رحيم ناظر لعباده ، فوجب أن يقال : إن هذه الآلام عقوبات أوصلها اللّه إليهم ، جزاء على ذنوب صدرت منهم ، قبل ذلك . ولما [ رأينا « 2 » ] أنه لم يصدر عنهم الذنوب ، حال كونهم في هذه الأبدان ، علمنا : أن هذه الأرواح كانت في أبدان أخرى . فأقدموا على الذنوب هناك ، فاستوجبوا العذاب عليها ، فنقلت تلك الأرواح إلى هذه الأبدان ، وأوصلت هذه الآلام إليها ، عقوبة على تلك الجنايات . فإذا قيل لهم : يقتضي أنهم أقدموا على المعصية في تلك الأبدان السابقة . والإقدام على المعصية مشروط بسبق التكليف ، والتكليف أضرار . فهذا يقتضي أن الإله الحكيم أوصل الضرر إليهم ابتداء . فإن جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى يوصل المضار إليها في هذه الحياة ، من غير سبق هذه الأمور التي تذكرونها ، وإن لم يجز هذا فقد فسد قولكم ؟ فعند هذا انقسم القائلون بالتناسخ إلى قسمين :

--> ( 1 ) من ( ت ) . ( 2 ) من ( ط ) .