فخر الدين الرازي
293
المطالب العالية من العلم الإلهي
ماهيات الذوات . فيثبت : أن الأجسام كلها متساوية في تمام الماهية . وإذا ثبت هذا وجب أن يصح على كل واحد ، ما صح على الآخر . ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يصح على كل واحد منها : أن يخرج عن حيزه ، ويحصل في حيز الجسم الآخر . وكذا القول في الجسم الآخر ، وذلك يدل : على أن كل جسم ، فإنه يصح خروجه عن حيزه المعين . الحجة الثانية : الأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك ، كانت الأجسام بأسرها قابلة للحركة . بيان الأول : أن الفضاء والجهة والحيز : لا معنى له إلا وهذا الخلاء الممتد . وهذا المفهوم قدر مشترك بين جميع الأحياز . فلو فرضنا اختلافها ، لكان الأمر الذي به حصل ذلك الاختلاف ، مغايرا لهذا المفهوم ، الذي به حصل الاشتراك . وإذا ثبت هذا ، فنقول : ذلك الأمر الذي به حصلت هذه المخالفة ، إما أن يكون حالا في هذا الفضاء ، أو محلا له ، أو لا حال فيه ، ولا محلا له . والأول باطل . لأن أجزاء الفضاء لما كانت في أنفسها متساوية ، فكل ما صح حلوله في أحد تلك الجوانب ، صح حلوله في الجانب الآخر منه . والثاني أيضا باطل . وإلا لكان هذا الفضاء حاصلا في مادة ، وكل بعد حال في مادة ، فهو جسم عند من يثبت للجسم مادة . فأما عند من ينكر هذه المادة ، فالقول بحلول هذا البعد في المادة : محال . والثالث [ أيضا « 1 » ] باطل لأن ما لا يكون حالا في شيء ، ولا محلا له ، امتنع أن يصير سببا لاختلاف أحوال ذلك الشيء . فيثبت : أن الأجزاء المفترضة في هذا الخلاء ، وفي هذا الفضاء متساوية . فوجب أن يصح على كل واحد منها ، ما صح على الآخر . فكما صح على هذا الحيز ، أن يحصل فيه هذا الجوهر ، فكذلك وجب أن يصح عليه : أن يحصل فيه الجوهر الآخر . ومتى ثبت هذا ، لزم صحة الحركة على كل الأجسام . فإن قالوا : أليس أن الأحياز مختلفة ، لأجل أن بعضها فوقنا ، وبعضها تحتنا . فإذا حصل هذا النوع من الاختلاف ، فلم لا يجوز أن يقال : بعض
--> ( 1 ) من ( ط )