فخر الدين الرازي
279
المطالب العالية من العلم الإلهي
الحجة العاشرة : قالوا : حقيقة الحدوث تقتضي المسبوقية بالغير ، فكانت حقيقة الحدوث منافية لحقيقة الأزل . فالقول بحدوث الحوادث في الأزل محال . واعترض الخصم فقال : المحكوم عليه بالحدوث عندي : هو كل واحد منها ، لا مجموعها . وكل واحد منها محكوم عليه بأنه ليس بأزلي . فإن قلتم : لما كان كل واحد منها : محكوم عليه بأنه ليس بأزلي . فإن قلتم : لما كان كل واحد منها : محكوم عليه بأنه ليس بأزلي امتنع أن يكون مجموعها أزليا : كان هذا عودا إلى الحجة التاسعة ، وقد سبق الكلام عليها . فهذا جملة الكلام في هذا الباب . وللفلاسفة هاهنا مقام آخر : قالوا : لا شك أن الدلائل التي ذكرتموها في وجوب أن تكون للمدة أول دلائل غامضة دقيقة مشتبهة لا يمكن الوقوف عليها إلا بفكر دقيق ونظر غامض . وأما مطلوبنا في هذا الباب : فهو أمر كل من وقف عليه على الوجه الملخص ، حكم صريح عقله بالصحة . وذلك لأن المفهوم من القبلية والبعدية [ والتقدمية « 1 » ] والتقدم والتأخر أمر لا يحصل إلا عند تقرير المدة والزمان . فإنه لا معنى للمدة والزمان إلا الموجود الذي بسببه تحصل هذه المفهومات . فإذ حكمنا بمقتضى ما ذكرتموه من الدلائل ، وجب أن نعتقد : أن للمدة والزمان أولا وبداية . وحينئذ لا يحصل قبل ذلك الأول ، لا قبل ولا بعد ، ولا تأخر ولا تقدم البتة . إلا أن صريح العقل [ حاكم « 2 » ] بدفع ذلك . لأن بديهة العقل حاكمة بأن عدم ذلك الأول سابق عليه ومتقدم عليه . وبديهة العقل حاكمة أيضا : بأنه يمكن فرض حوادث قبل ذلك الأول [ بحيث تنتهي إلى ذلك الأول « 3 » ] بعشرة دورات . ويمكن أيضا : فرض حوادث أخزى ، تنتهي إلى ذلك الأول بعشرين « 4 » دورة . ويحكم صريح العقل بأن مبدأ هذا المفروض الثاني ، يجب أن يكون سابقا على مبدأ المفروض الأول . فيثبت : أن دلائلكم
--> ( 1 ) من ( ت ، ط ) ( 2 ) من ( ت ، ط ) ( 3 ) من ( ط ) ( 4 ) بعشر دورات ( ط )