فخر الدين الرازي

267

المطالب العالية من العلم الإلهي

امتناع حدوث الحوادث في جانب الأزل ، ووجوب انتهائها إلى أول ، يوجب عليكم امتناع حدوث الحوادث في الأبد ، ووجوب انتهائها إلى آخر . ولنقرر ذلك في كل واحد منها : فأمّا الوجه الأول : [ من هذه الوجوه « 1 » ] فهو أنكم قلتم : حقيقة الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، وحقيقة الأزل تنافي المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال . فوجب انتهاء الحوادث إلى أول . فنقول : كما أن كل جزء من أجزاء الحركة ، يجب أن يكون مسبوقا بجزء آخر ، فكذلك يجب أن يكون ملحوقا بجزء آخر ، إذ لو بقي ذلك الجزء لانقلب سكونا . وكلامنا فيما إذا كانت الحركة باقية . إذا عرفت هذا فنقول : كما أن حقيقة الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، فكذلك تقتضي الملحوقية بالغير ، وحقيقة الأبد تنافي الملحوقية بالغير ، والجمع بين الحركة وبين الأبد : محال . فوجب انتهاء الحركات في جانب الأبد ، إلى آخر . وكما أن هذا الكلام فاسد ، فكذا ما ذكرتموه . وأما الوجه الثاني : وهو قولكم : « هل حصل في الأزل شيء من الحوادث أم لا ؟ » [ فقلنا في جانب الأبد « 2 » ] فإن لم يحصل فيه شيء من الحوادث ، فللحوادث آخر على سبيل الوجوب . وإن حصل في الأبد شيء من الحوادث ، فهل حصل عقيبه شيء آخر ، أم لا ؟ فإن كان الأول فقد حصل بعد الأبد شيء آخر ، وذلك محال . لأن الأبد ينافي الملحوقية بالغير ، وما حصل بعده شيء آخر فهو ملحوق بالغير ، والجمع بينهما محال . وإن كان الثاني : وهو أنه لم يحصل بعد ذلك الحادث شيء آخر ، فحينئذ يكون ذلك الشيء آخرا لكل الحوادث ، فيكون لكل الحوادث آخر على سبيل الوجوب . وذلك محال . وأما الوجه الثالث من هذه الوجوه الثلاثة : فهو أن نقول : لما وجب في كل واحد من الحوادث ، أن يحصل بعده : « 3 » عدم لا آخر له ، كان مجموع

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) لعلها : عدم آخر ، لا آخر ، له