فخر الدين الرازي
268
المطالب العالية من العلم الإلهي
هذه العدمات حاصل في الأبد ، فإما أن يحصل في الأبد شيء من الموجودات أو لم يحصل . فإن كان الأول لزم أن يحصل السابق والمسبوق معا ، وهو محال . وإن كان الثاني فحينئذ لم يحصل في الأبد شيء من الحوادث ، فوجب أن يحصل للحوادث آخر ونهاية . فيثبت : أن هذه الدلائل الثلاثة التي ذكرتموها إن أوجبت أن يحصل للحوادث أول ، فكذلك أوجبت أن يحصل للحوادث آخر . ولما بطل ذلك ، علمنا أن هذه الدلائل مغالطات ، نشأت من اعتقاد : أن الأزل وقت معين في الماضي ، وأن الأبد وقت معين في المستقبل . ولما كان ذلك باطلا ، كانت هذه الدلائل التي ذكرتموها فاسدة . السؤال الرابع : إن دل ما ذكرتم على امتناع حوادث لا أول لها . فههنا ما يدل على وقوعه لا محالة . وهو من وجهين . الأول : « 1 » ] : إن بديهة العقل حاكمة بأن كل أمر حادث ، فلا بد له من سبب حادث ، أو إن كان ذلك السبب قديما ، إلا أن تأثيره في ذلك الأثر الحادث ، كان موقوفا على شرط حادث . ألا ترى أن القائلين بالحدوث يقولون : العالم إنما حدث في الوقت المعين ، لأن إرادة اللّه تعالى تعلقت بإحداث العالم في ذلك الوقت المعين . وهذا في الحقيقة اعتراف بأن تأثير قدرة اللّه في وجود العالم ، كان موقوفا على حدوث ذلك الوقت . فثبت : أن كل حادث ، فإنه لا بد وأن يكون معللا بسبب حادث . وإن كان معللا بسبب قديم ، إلا أن تأثير ذلك السبب [ القديم « 2 » ] في ذلك الحادث ، كان موقوفا على شرط حادث ، وعلى كلا التقديرين ، فهذا يقتضي أن يكون كل حادث ، مسبوقا بحادث [ آخر « 3 » ] لا إلى أول .
--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) من ( س )