فخر الدين الرازي
173
المطالب العالية من العلم الإلهي
الوجود في الأزل ، بل كان صحيح الوجود في الأزل . وأما بيان أنه متى كان كذلك ، لزم أن يكون موجودا في الأزل : فلأن كل ما لا يكون موجودا في الأزل ، استحال « 1 » عقلا أن يكون عدمه أزليا . فإن غير الأزلي يمتنع عقلا أن ينقلب « 2 » أزليا . وهذا الكلام يستدعي مزيد تقرير فنقول : الذي لا يكون حاصلا قسمان : أحدهما : الذي لا يكون حاصلا مع أنه يمكن أن يصير حاصلا . وذلك مثل الجسم الذي لا يكون متحركا « 3 » ، فيصير بعد ذلك متحركا . والقسم الثاني : الذي لا يكون حاصلا ، مع أنه يمتنع أن يصير حاصلا وهذا مثل الشيء الذي يصدق عليه : أنه ما كان أزليا . فإن ذلك الشيء يمتنع أن يصير أزليا ، لأن الذي لا يكون أزليا معناه أنه ما كان موجودا فيما مضى [ والأزلي هو الذي كان موجودا فيما مضى « 4 » ] فلو قلنا : إن [ الشيء « 5 » ] الذي ما كان موجودا في الأزل ، ينقلب فيصير موجودا في الأزل : كان معنى هذا الكلام : أن الذي كان معدوما في الزمان الماضي ، صار الآن موجودا في الزمان [ الماضي ] « 6 » وذلك يقتضي إيقاع التصرف في الزمان الماضي . وهو محال . فيثبت بهذا التقرير : أن الذي ما كان موجودا في الأزل ، يمتنع أن يصير بعد ذلك موجودا في الأزل . وهذا ينعكس انعكاس النقيض ، وهو أن الذي لا يمتنع أن يكون « 7 » موجودا في الأزل [ فإنه يجب أن يقال : إنه كان موجودا في
--> ( 1 ) استحال أن يصير بعد عدمه أزليا ( ت ) ( 2 ) يكون ( ت ) ( 3 ) فإنه قد يصير ( ت ) ( 4 ) من ( ط ) ( 5 ) من ( س ) ( 6 ) من ( س ) ( 7 ) كونه ( ط )