فخر الدين الرازي

172

المطالب العالية من العلم الإلهي

وأجيب عن هذا الجواب : بأن ثبوت الإمكان للممكن . واجب لذاته . ووجوده شرط لكونه موصوفا بهذا الإمكان الموجود . وما كان شرطا لما كان واجبا لذاته ، [ فهو أولى أن يكون واجبا لذاته ] « 1 » فيلزم كون الهيولى واجبة لذاتها . واعلم أن من المتقدمين من التزم ذلك . وقال : ثبت أن الجسمية يمتنع حلولها في محل . فالجسم ذات قائمة بنفسها ، فلو كان ممكنا ، لكان محل إمكانه إما يكون نفس ذاته ، أو شيئا آخر يكون له كالهيولى ، والأول محال . لأن الممكن ممكن لذاته لا لغيره . وكون ذاته موجودة ، شرط لكونها قابلة لذلك الإمكان ، وما كان شرطا لما يكون واجب الثبوت لذاته ، فهو أولى أن يكون واجبا لذاته ، فيلزم أن يقال : الممكن لذاته ، واجب لذاته . وهو محال . والثاني أيضا : محال ، لأنه على هذا التقدير تكون الجسمية مفتقرة إلى الهيولى . وقد دللنا على أن ذلك محال . وأيضا : فبتقدير أن تكون مفتقرة إلى الهيولى ، فتلك الهيولى إن كانت ممكنة ، افتقرت إلى هيولى أخرى . ويمر ذلك إلى ما لا نهاية له ، وهو محال . وإن انتهت بالآخرة إلى هيولى غنية عن هيولى أخرى ، فحينئذ يسقط هذا الاحتمال . واعلم : أن هذه الشبهة قوية ، لو ثبت أن الإمكان صفة موجودة ، إلا أن الكلام فيه ما تقدم [ واللّه أعلم ] « 2 » الحجة الثانية : العالم ممكن الوجود في الأزل ، فوجب أن يكون واجب الحصول في الأزل . أما بيان المقام الأول ، فهو أنه لو كذب قولنا : إنه ما كان ممتنع الوجود لذاته في [ الأزل « 3 » ] صدق نقيضه ، وهو أنه كان ممتنع الوجود في الأزل ، فيلزم أن يقال : إنه انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي . وقد بينا بالدلائل الكثيرة : أن ذلك محال . فيثبت بما ذكرنا : أن العالم ما كان ممتنع

--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) من ( ت ) ( 3 ) من ( ط ، س )