فخر الدين الرازي
141
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثاني : أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، فتلك الحاجة ، إما أن تكون قديمة أو حادثة ، فإن كانت قديمة ، لزم من قدمها ، قدم الفعل . وإن كانت حادثة ، عاد الطلب في أنه : لم حدثت تلك الحاجة في ذلك الوقت ، دون ما قبله ، وما بعده ؟ . والثالث : أن على هذا التقدير يكون إله العالم ناقصا محتاجا إلى الاستكمال بالغير . الرابع : أن إله العالم قديم أزلي واجب لذاته . فكان أكمل حالا من المحدثات ، وكون الأكمل مستكملا بالأخس الأدون : محال . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إنه تعالى إنما أحدث العالم لنفع عائد إلى الغير ، فهذا أيضا باطل . ويدل عليه وجوه : الأول : إن الإيجاد لو كان إحسانا إلى المخلوق ، لكان إما أن يكون إحسانا إليه حال عدمه ، أو حال وجوده . والأول باطل . لأنه ما دام يكون معدوما ، فالوجود غير واصل إليه ، فامتنع كون الإيجاد [ إحسانا إلى المعدوم . والثاني : أيضا باطل ، لأن إيصال الوجود إليه بعد وجوده « 1 » ] يقتضي إيجاد الموجود وأنه « 2 » محال . لا يقال : الإيجاد إنما يكون إحسانا من حيث إنه بعد دخوله في الوجود ، يستعد لأن يصل إليه أنواع اللذة والسرور . لأنا نقول : الكلام إنما وقع في أن الإيجاد ليس بإحسان ، وما ذكرتموه لا يدفع ذلك . فإنكم سلمتم أن نفس الإيجاد [ ليس ] « 3 » إحسانا . وإنما الإحسان ما يحصل بعد ذلك ، ونحن [ ما ] « 4 » ادعينا [ حالا ] ( 5 ) أن ابتداء الخلق ليس بإحسان .
--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) من ( ت )