فخر الدين الرازي

114

المطالب العالية من العلم الإلهي

أن نقول : أليس من مذهب المتكلمين : أن التغير يمتنع في صفات اللّه تعالى ، وأن العدم على القديم : محال . فإذا كانت إرادة اللّه تعالى ، متعلقة من الأزل إلى الأبد ، بترجيح وجود الحادث المعين على عدمه ، وكانت قدرته من الأزل إلى الأبد متعلقة بإيجاد ذلك الحادث المعين في ذلك الوقت المعين ، وكان علمه متعلقا بوقوع ذلك الحادث المعين ، في الوقت المعين . إذا ثبت هذا ، فنقول : إن مع حصول هذه الصفات الثلاثة واجتماعها على اقتضاء وقوع ذلك الحادث ، إما أن يمكن أن لا يقع ذلك الفعل ، وإما لا يمكن والأول باطل ، لأن ذلك يقدح في كون هذه الصفات مؤثرة في وقوع ذلك الفعل ، ولأنه يلزم وقوع التغير في صفات اللّه [ تعالى ] « 1 » فإنه تعالى إذا أراد شيئا آخر ، غير ما أراده في الأزل ، لزم زوال تلك الإرادة [ الأزلية ] « 2 » وحدثت إرادة أخرى . وأيضا : لزم أن ينقلب ذلك العلم جهلا ، وكل ذلك : محال . فيثبت : أن تغير تلك الصفات ممتنع عقلا « 3 » وإن عدم وقوع ذلك الحادث في الوقت المعين ، الذي تطابقت الصفات الثلاثة على اقتضاء وقوعه فيه ، ممتنع عقلا . وهذا يقدح في قولهم : إن شرط القادر : أن يكون متمكنا من الفعل والترك ، بل على هذا التقدير ، يلزم أن يقال : إنه تعالى يؤثر « 4 » في الأفعال على سبيل الوجوب ، لا على سبيل الإمكان ، المتردد بين الوجود والعدم . الحجة الخامسة في هذا الباب : أن نقول : لا شك أنه تعالى عالم بجميع المعلومات . فوجب أن يعلم أن الشيء الفلاني ، يقع في الوقت الفلاني [ وأن الشيء الفلاني لا يقع في الوقت الفلاني ] « 5 » وخلاف المعلوم : محال الوقوع . لأن عدم وقوع الشيء ، مع العلم بوقوعه ضدان ، والجمع بين الضدين : محال عقلا . وإذا كان كذلك ، فما علم اللّه وقوعه ، كان واجب الوقوع ، وما علم

--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) أصلا ( ط ) ( 4 ) مؤثر ( ط ) ( 5 ) من ( ط )