فخر الدين الرازي
108
المطالب العالية من العلم الإلهي
الأول : إنه لو حصل الرجحان لا لمرجح ، لكان قد ترجح الممكن لا لمرجح ، وهو محال . والثاني : إنا لما جربنا أنفسنا ، وجدنا أنه لم يحصل في القلب ، ميل إلى أحد الجانبين [ لم يرجح ذلك الطرف على الجانب الآخر ، ومتى كان الميل إلى الحركة إلى الجانبين ] « 1 » على التساوي ، لم يصدر الفعل البتة عن الإنسان ، بل يبقى متوقفا في موضعه الذي هو فيه ساكنا متحيرا ، إلى أن يظهر المرجح . فحينئذ يحصل الرجحان . فظهر بما ذكرنا : أن القول بحصول رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا لمرجح قول باطل . وأما القسم الثاني : وهو أنه لا بد في حصول هذا الرجحان من مرجح . فنقول : إذا حصلت المرجحات بأسرها . وهي القدرة التامة ، والإرادة الجازمة الخالية عن الفتور « 2 » وحصل الوقت والآلة والمصلحة ، وزالت الموانع بأسرها ، فمع حصول هذه المرجحات ، إما أن يكون الترك ممكنا ، أو غير ممكن . فإن كان ممكنا فمع حصول هذه المرجحات ، لا يمتنع أن يحصل الفعل تارة ، والترك أخرى ، فاختصاص أحد الوقتين بالفعل ، والوقت الآخر بالترك ، إما أن يتوقف على مرجح ، أو لا يتوقف . فإن كان الأول لم يكن الحاصل قبل انضمام هذا المرجح إليه [ مرجحا تاما . لكنا فرضناه كذلك . هذا خلف . وأيضا : فعند انضمام هذا المرجح إليه « 3 » [ إما أن يكون حصول الفعل واجبا ، أو لا يكون . فإن لم يكن واجبا عاد التقسيم الأول فيه ، وافتقر إلى مرجح « 4 » آخر ، ولزم التسلسل ، وهو محال . وإن لم يتوقف على مرجح فقد حصل الممكن المتساوي لا لمرجح ، وهو محال . ولما بطلت هذه الأقسام ، ثبت : أن الفعل واجب الحصول عند حصول كل المرجحات ، وممتنع الحصول عند اختلال قيد من القيود المعتبرة في حصول ذلك الرجحان . وإذا ثبت هذا ، فنقول : القادر
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) القيود ( ت ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) المرجح ( ت )