فخر الدين الرازي

109

المطالب العالية من العلم الإلهي

له حالتان : أحدهما : أن يكون كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا [ في الأزل « 1 » ] والأخرى : أن لا يكون هذا المجموع حاصلا . أما الحالة الأولى : فإنه يجب صدور الفعل عنه ، ويمتنع أن لا يصدر . وأما الحالة الثانية : فإنه يمتنع صدور الفعل عنه ، ويجب عدمه . وعلى هذا التقدير فإنه لا يبقى فرق بين القادر وبين الموجب . بل الفرق : أن شرائط التأثير في حق القادر سريعة التغير ، فإذا حصلت بعد أن كانت معدومة ، صار القادر واجب التأثير . وإذا زالت بعد أن كانت موجودة ، صار ممتنع التأثير ، إلا أن هذا التغير إنما يعقل في حق من تكون مؤثريته موقوفة على شرائط منفصلة عن ذاته ، أما الحق سبحانه فإن تأثيره فيما سواه غير موقوف على شرائط منفصلة عن ذاته ، لأنه تعالى مبدأ لكل ما سواه ، فيمتنع أن يكون تأثيره فيما سواه موقوفا على شرط منفصل ، بل يجب أن يكون تأثيره في غيره لمحض ذاته ، ولوازم ذاته . ولما كانت ذاته « 2 » ولوازم ذاته : ممتنعة التغير . كان تأثيره في غيره أيضا : ممتنع التغير . فهذا هو الكلام القوي في هذا الباب . فإن قيل : للمتكلمين في هذا المقام : كلامان : الأول : قول من يقول : إن صدور الفعل عن القادر موقوف على المرجح ، إلا أنه مع ذلك المرجح ، لا يصل إلى حد الوجوب ، بل يصير أولى بالوقوع ، فلأجل أنه صار أولى بالوقوع ، استغنى عن مرجح زائد . ولأجل أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب ، بقي الفرق بين الموجب والقادر . والقول الثاني : إن صدور الفعل عن القادر لا يتوقف على انضمام المرجح إليه وتقريره : ما حكيناه عنهم : من أن المخير بين شرب قدحين ، وأكل رغيفين ، يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح . قالوا : والذي يدل على صحة ما ذكرناه : أن الفرق بين القادر المختار ، وبين العلة الموجبة : معلوم

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) كان لذاته ( ت )