فخر الدين الرازي
76
المطالب العالية من العلم الإلهي
وأنه يبقى بذاته إلى وقت طريان المزيل المعدم ، فعلمنا أن ذلك الجزم لا يحصل إلا عند حصول الحدوث ، أو عند تخيل معنى الحدوث ، وأما الإمكان إذا عرى عن خيال « 1 » الحدوث فإن صريح العقل لا يحكم بكونه سببا لاحتياجه إلى الغير . السؤال الثاني على أصل الكلام : أن نقول : لا نسلم أن العقلاء يجزمون بافتقار الممكن إلى المرجح ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : إن القائلين « 2 » بحدوث العالم أكثر عددا من القائلين بقدمه ، ثم إنهم مع كثرتهم يلتزمون أنه تعالى صار فاعلا للعالم بعد أن لم يكن فاعلا له ، ثم اتفقوا على أن تجدد هذه الفاعلية ليس بسبب ، فهؤلاء قد اتفقوا على حصول معنى الحدوث والتجدد في هذه الصورة لا لسبب ، ولو كان امتناع ذلك معلوما بالضرورة لامتنع إطباق العقلاء عليه . الثاني : إنهم يقولون : الهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان من كل الوجوه فإنه يختار أحدهما دون الثاني ، لا لمرجح ، [ وكذلك من خير بين الشرب من قدحين من الماء متساويين ، فإنه يختار أحدهما دون الثاني لا لمرجح ] « 3 » وفي أمثلة هذا الباب كثرة مشهورة . فههنا اتفق الأكثرون على أنه يحصل الرجحان لا لمرجح ، ولو كانت هذه المقدمة معلومة الامتناع بالبديهية ، لما ذهب إلى القول بصحتها طائفة عظيمة من العقلاء . الثالث : إن طائفة عظيمة من المتكلمين ذهبوا إلى أن الذوات متساوية في كونها ذوات [ قالوا ] « 4 » ويدل عليه وجهان : الأول : إن الذات يمكن تقسيمها إلى الواجب والممكن والمجرد والمادي ، فمورد التقسيم مشترك بين الأقسام .
--> ( 1 ) حال ( س ) . ( 2 ) القائل ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) .