فخر الدين الرازي

77

المطالب العالية من العلم الإلهي

الثاني : إنا إذا عقلنا الذوات . فإن عقلنا بعد ذلك : كونه واجبا لذاته ، بقي المعتقد الأول . وإن اعتقدنا كونه ممكنا [ لذاته ] « 1 » زال اعتقاد كونه واجبا لذاته ، ولكن لا يزول اعتقاد كونه ذاتا [ فثبت أن كونه ذاتا ] « 2 » قدر مشترك بين الواجب والممكن والمادي « 3 » والمجرد ، إذا ثبت هذا فنقول : لا شك أن ذات واجب « 4 » الوجود ممتازة عن سائر الذوات بقيد من القيود ، [ وكذلك ذات العقل ممتازة عن ذات الجسم بقيد من القيود ] « 5 » إذ لو لم يحصل أمر من الأمور ، به يحصل الامتياز ، لما حصل الامتياز البتة ، إذا ثبت هذا فنقول : ثبت أن الذوات من حيث إنها ذوات أمور متساوية ، ثم إن كل واحد منها اختص بأمر لأجله امتاز عن غيره ، فاختصاص كل واحد منها بذلك المميز ، إن كان لأمر آخر لزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان ، فوجب أن يكون ذلك الاختصاص حاصلا ، لا لأمر ولا لمرجح ، فثبت بهذا الدليل : وقوع الممكن لا عن مرجح . وأيضا : فهو قول قال به طائفة عظيمة من العقلاء . وكل ذلك يبطل القول بأن افتقار الممكن إلى المرجح مقدمة معلومة بالبديهة . السؤال الثالث : إنا كما رأينا أن أكثر العقلاء أطبقوا على أن الحادث لا بد له من محدث ، والبناء لا بد له من باني ، فكذلك نراهم مطبقين على مقدمات أخرى ، مع أن المتكلمين يزعمون أنها [ غير ] « 6 » صحيحة . فالأول : إنهم كما استبعدوا حدوث البناء من غير باني ، فكذلك استبعدوا حدوث البناء من غير مادة سابقة ، مثل أن يحدث البناء من غير سبق تراب ولا حجر ولا خشب ، فلو صار جزم العقلاء بافتقار البناء إلى الفاعل حجة « 7 » [ في صحة هذه المقدمة ، وجب أن يكون ] جزمهم بافتقار البناء إلى مادة سابقة حجة في صحة هذه المقدمة ، إلا أن المتكلمين يزعمون أنه لا يحتاج حدوث الشيء إلى مادة سابقة وذلك يدل على أن إطباق جمهور العقلاء بحكم

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) والمفارق ( ز ) . ( 4 ) إن ذات واجب ( س ) . ( 5 ) من ( س ) . ( 6 ) من ( س ) . ( 7 ) حجة لصار جزمهم . . . الخ ( س ) .