فخر الدين الرازي

75

المطالب العالية من العلم الإلهي

بل نقول : إن هذا النوع من الإدراك مركوز في نفوس البهائم ، وذلك لأن البهيمة إذا سمعت صوت الحية ، فرت . وليس فرارها إلا لأن شعورها بصوت الحية يقتضي شعورها بوجود الحية ، فدل هذا على أن انتقال الفطرة والنفس من الأثر إلى المؤثر حاصل في نفوس الأطفال « 1 » [ بل هو أمر « 2 » ] حاصل في نفوس البهائم . فإن قيل الكلام على ما ذكرتم من وجوه : الأول : إن هذه الاعتبارات التي ذكرتم إن صحت ، فإنها إنما تدل على أن العلم بافتقار المحدث إلى المؤثر [ علم ضروري « 3 » ] ولكنها لا تدل على أن العلم بافتقار الممكن إلى المؤثر علم ضروري ، فأين أحد البابين عن الآخر ؟ فإن قال قائل : إنا نجد العلم البديهي حاصلا بأن الوجود والعدم لما استويا استحال رجحان أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، فعلمنا أن العلم البديهي كما حصل في افتقار المحدث إلى المؤثر « 4 » ، فهو أيضا حاصل في افتقار الممكن إلى المرجح . فنقول في الجواب عن هذا السؤال : إن قولكم الوجود والعدم لما استويا بالنسبة إليه لم يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، إنما جزم العقل به ، لأن قولكم يترجح أحد الطرفين على الآخر يوهم حدوث [ ذلك « 5 » ] الرجحان ، وإنه أمر حصل بعد أن لم يكن . فهذا الجزم إنما حصل من تخيّل [ معنى « 6 » ] الحدوث لا من نفس الإمكان المجرد ، والدليل عليه : أنا إذا أزلنا وهم الحدوث بالكلية ، واعتبرنا معنى الإمكان خاليا عن توهم الحدوث ، وذلك في الممكن الباقي في حال بقائه [ لا نجد في العقل جزما بافتقار الممكن حال بقائه إلى المؤثر ، بل الغالب على الأوهام استغناء الباقي في حال بقائه « 7 » ] عن المؤثر ،

--> ( 1 ) الأطفال والبهائم ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) المدير ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( ز ) . ( 7 ) من ( س ) .