فخر الدين الرازي
60
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الرابع في ضبط معاقد هذا العلم أعلم ان الإنسان له أحوال ثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل . أما الماضي : فهو يريد أن يعرف أن هذه الأحوال كيف كانت في الماضي ؟ وذلك لا يحصل إلا بأن يعرف المبدأ الأول ويعرف صفاته ، ويعرف أنه كيف صدر عنه هذه الأحوال ؟ فهذه مقدمات ثلاث . وعلى طريق كل واحد منها عقدة هائلة . أما معرفة الذات فهي أنا لو حكمنا بكون ذاته مساوية لشيء من هذه الأشياء التي أدركناها بحواسنا ووجدانات نفوسنا ، ووجدانات عقولنا ، لزم كونه ممكنا لذاته ، وهو محال . وإن حكمنا بكون تلك الذات المخصوصة مخالفة لجميع هذه الموجودات التي عقلناها وعرفناها بقي العقل متحيرا والها ، لا يهتدي إلى شيء . فالحاصل أن العقل إذا أثبت تلك الحقيقة على وجه يصل إدراكه إليه لم يعرفه البتة ، لأن كل ما كان كذلك فهو ممكن الوجود ، لا واجب الوجود ، وإن أثبته بحيث يكون مخالفا لحكمة هذه الحقائق ، فحينئذ يعجز عن معرفته من حيث هو هو ، وإذا عجز عن معرفته ، وعن تصوره فكيف يمكنه أن يصفه بصفات الجلال والعظمة والتقديس ؟ فهذا موقف مهيب في معرفة الذات . وأما معرفة الصفات ففيها مقامان مهيبان جدا جدا :