فخر الدين الرازي
49
المطالب العالية من العلم الإلهي
والأفكار مقهورة والخواطر مزجورة ، وحقيقة الحق لا يمكن الوصول إليها بخطرات العقول والأفكار ، وكبرياء الإلهية يمتنع الوقوف عليها بأجنحة الأقيسة والأنظار . فظهر أنه لا حاصل عند العقول إلا الإقرار بإثبات الكمال المطلق له ، وتنزيه النقائص بأسرها عنه ، على سبيل الإجمال ، أما سبيل التفصيل فذاك ليس من شأن القوة العقلية البشرية . الحجة الثالثة في هذا الباب : إن العلوم إما تصورية وإما تصديقية . أما التصويرية فنحن نجد من أنفسنا وجدانا بديهيا ، بعد الاختبار التام والاستقراء الكامل أنه لا يمكننا أن نشير بعقولنا ووهمنا وخيالنا إلا إلى أحد أنواع أربعة من التصورات . فأحدها : الماهيات التي أدركناها بأحد الحواس الخمس ، وهي : المبصرات ، والمسموعات ، والمشمومات ، والمذوقات ، والملموسات . وثانيها : الماهيات التي ندركها من نفوسنا إدراكا ضروريا كالألم واللذة والجوع والشبع والفرح والغضب وأمثالها . وثالثها : الماهيات التي ندركها بحكم فطرة عقولنا كتصورنا ( لمعنى ) « 1 » الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان والامتناع . والنوع الرابع : الماهيات التي يركبها العقل والخيال من ( هذه ) « 2 » البسائط ، أما تركيب الخيال فهو كما إذا تصورنا بحرا من زئبق وإنسانا له ألف رأس ( فإنا بحس البصر أدركنا البحر ، وأدركنا الزئبق ، فالخيال يركب صورة البحر مع صورة الزئبق ) وكذا القول في سائر الأمثلة ، وأما تركيب العقل فهو أنا إذا قلنا : شريك الاله ممتنع الوجود ، فما لم يتصور العقل ( معنى ) « 3 » شريك الإله يمتنع أن يحكم عليه بالامتناع ، ثم إن العقل إنما يمكنه تصور معنى شريك الإله ، لأنه قد تصور معنى الشريك في بعض المواضع ، وتصور أيضا معنى الإله في
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( س ) .