فخر الدين الرازي

47

المطالب العالية من العلم الإلهي

غاية لمعانه وإشراقه . فإن القوة الباصرة قاصرة عن إدراكه على سبيل التمام والكمال . ألا ترى أن من تكلف النظر إلى قرص الشمس عند غاية لمعانه وإشراقه ، فإنه يتخيل ظلمة وسوادا في وسط قرص الشمس ، وكأنه يتخيل أن الأنوار إنما تفيض من أطراف قرص الشمس ، كأنه طست تفيض الأنوار من أطرافه ، فأما نفس القرص التي هي كالطست فإن الإنسان يراها كالظلمة السوداء ، إلا أن العقل السليم يحكم بأن تلك الظلمة ليست حاصلة في جوهر الشمس ، فإنه منبع الأنوار ، ومظهر الأضواء ، لكن القوة الباصرة للبشرية تصير مقهورة من كمال ذلك النور ، فيعجز عن إدراكه ، فلما عجز عن إدراكه تخيل فيه ظلمة وسوادا . أو ( رأى ) « 1 » النور كالأمر القابض من أطراف قرص الشمس وجوانبه . والحالة الثالثة : المبصرات المعتدلة في القوة والضعف والكمال والنقصان وهي مثل الكيفيات القائمة بأجسام هذا العالم فإن القوة الباصرة يمكنها الوقوف عليها والإحاطة بها والوصول إلى تمام إدراكاتها ، فظهر بهذا البيان الذي قررناه : أن القوة الباصرة قاصرة عن إدراك « 2 » المبصرات القاهرة ، وقاصرة عن إدراك المبصرات الضعيفة أيضا ، ولكنها قادرة على إدراك المبصرات المتوسطة في القوة والضعف والكمال والنقصان وإذا عرفت هذه المراتب الثلاثة في قوة الابصار ، فاعرف مثلها في مراتب قوة البصيرة والعقل . وذلك لأن المعلومات على ثلاثة أقسام : أحدها : المعلومات الضعيفة الحقيرة : وهي مثل مراتب الأمزجة والتغيرات والاختلافات الحاصلة عند درجات الاستمالات الواقعة في الأجسام الكائنة الفاسدة ، فإن العقول البشرية لا تقوى على إدراك تلك المراتب ، وضبط تلك الدرجات ، لأنها أحوال ضعيفة سريعة الزوال قريبة الانقراض والانقضاء ، فهي لضعفها وحقارتها لا تقوى العقول البشرية على إدراكها على سبيل الكمال والتمام .

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) إبصار ( س ) .