فخر الدين الرازي
305
المطالب العالية من العلم الإلهي
الحقيقة المخصوصة من حيث إنها هي ، قادحا في مطلوبنا . الحجة الحادية عشر في إثبات هذا المطلوب : أن نقول : لا شك أن الحق تعالى ذات متعينة ممتازة بتعينها عن كل ما سواه من الذوات المعينة ، ولا شك أن الوجود من حيث إنه وجود حقيقة يشترك فيها الواجب والممكن والجوهر والعرض ، فنقول : ذاته المخصوصة إما أن يكون هو هذا المفهوم المشترك فيه بين كل الموجودات ، وإما أن يكون هو هذا المفهوم ، مع قيد زائد يقتضي تخصصه وتعينه . والأول باطل ، لأن هذا المفهوم المشترك يصدق عليه كونه مشتركا بين الكل ، وذاته المخصوصة لا يصدق عليها هذا المعنى . فبطل القول بأن ذاته المخصوصة هو هذا المفهوم المشترك . بقي أن يقال : إنه هو هذا المفهوم مع قيد زائد . فنقول : ذلك [ القيد ] « 1 » الزائد إما أن يكون سلبيا أو ثبوتيا ، والأول باطل ، لأنه سبحانه من حيث إنه هو ذلك المعين موجود ، وما لأجله التعين جزءا من المعين ، فلو كان ما لأجله حصل التعين قيدا سلبيا ، لزم أن يكون القيد السلبي جزءا من الماهية الثابتة ، وهو محال . وأما إن كان القيد الذي لأجله حصل التعين أمرا ثابتا ، فإما أن يكون ذلك الأمر المخصوص موضوعا والوجود المشترك فيه محمولا ، وإما أن يكون الأمر بالعكس منه . والأول هو المقصود . لأن على هذا التقدير تكون تلك الهوية المخصوصة المعينة موصوفة بالوجود ، فيكون ذلك الوجود عارضا لماهيته ، والثاني باطل لوجهين : أحدهما : أنه ثبت في المنطق أن الأخص بالموضوعية والأعم أولى بالمحمولية . والثاني : وهو أنا لو جعلنا الوجود المطلق موضوعا ، وجعلنا تلك الخصوصية محمولة له ، لزم أن يقال : الوجود المشترك فيه هو تلك الخصوصية ، وحمل تلك الخصوصية عليه ، يمنع من كونه مشتركا فيه بينه وبين غيره ، فلزم أن يقال : الأمر المشترك فيه غير مشترك فيه ، وذلك محال . فثبت : أن القول بأن حقيقته وجود مجرد ، يفضي إلى أقسام باطلة فيكون القول به باطلا .
--> ( 1 ) من ( س ) .