فخر الدين الرازي

306

المطالب العالية من العلم الإلهي

الحجة الثانية عشر : أجمع العقلاء على أن أفراد النوع الواحد يجب تساويها في اللوازم ، وصريح العقل شاهد بصحة هذه المقدمة . وإذا ثبت هذا فنقول : الوجود في حق واجب الوجود ، والوجود في حق ممكن الوجود : طبيعة نوعية واحدة . فوجب أن يصح على كل واحد منهما ، ما يصح على الآخر . ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن الحقيقة المخصوصة لواجب الوجود لذاته حقيقة ، تخالف سائر الحقائق . وأيضا : فقد اتفقت الحكماء على أن الطبيعة النوعية إنما بعرض لها التعدد « 1 » بسبب القوابل [ والماهية الموصوفة بالوجدان ، جارية مجرى القوابل بتلك الوجودات . فثبت أنه لولا ] « 2 » الماهيات [ المختلفة ] « 3 » لامتنع وقوع التعدد في طبيعة الوجود ، وحيث وقع التعدد فيه ، علمنا أن وقوع التعدد فيها ، إنما كان بسبب الماهيات المختلفة . فهذه البراهين التي ذكرناها ولخصناها : وجوه ظاهرة جلية قطعية في إفساد هذا المذهب . واحتج الشيخ الرئيس : [ أبو علي ] « 4 » في بيان أن وجود اللّه تعالى يمتنع كونه عارضا [ لشيء ] « 5 » من الماهيات بوجه واحد ذكره في كتاب الإشارات . وأنا أذكر ذلك الوجه ، وأضم إليه تقريرات قوية ، وبيانات كاملة . فنقول : وجود اللّه تعالى إما أن يكون مستقلا بنفسه « 6 » قائما بذاته ، من غير أن يكون تحققه محتاجا إلى تحقق غيره ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يكون تحققه محتاجا إلى تحقق غيره . فإن كان الحق هو الأول ، كان ذلك الوجود قائما بذاته مستقلا بنفسه ، فلا يكون عارضا لشيء من الماهيات . وإن كان الحق هو الثاني ، وهو كون ذلك الوجود غير مستقل بنفسه بل يكون مفتقرا إلى غيره ، فنقول : فذلك الوجود مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فذلك الوجود

--> ( 1 ) التفرد ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) . ( 5 ) من ( س ) . ( 6 ) مستقلا بنفسه ، قائما بنفسه ( ز ) .