فخر الدين الرازي

301

المطالب العالية من العلم الإلهي

يمكن تعقله وحده بدون الماهية ، ثم ثبت أن طبيعة الوجود من حيث إنه هو وجود أمر واحد ، في الواجب والممكن ، فكيف تعقل طبيعة الوجود من حيث إنها وجود ، طبيعة واحدة في الواجب وفي الممكن ؟ ثم إنه بلغ في القوة في جانب الواجب إلى حيث كان غنيا عن كل سواه ، وكان كل ما سواه محتاجا إليه ، وبلغ في الضعف والحاجة في جانب الممكن إلى حيث كان محتاجا إلى الماهية في الخارج وفي الذهن ، حتى إن العقل لا يمكنه أن يتصوره وحده ، بل ما لم يجعله تابعا لغيره ، فإنه لا يمكنه إدراكه وتصوره . وكل من أنصف علم أن هذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل . الحجة السابعة : اتفق الحكماء على أن تصور الوجود تصور بديهي جلي ، غني عن كل التعريفات ، واتفقوا أيضا على أن الحقيقة المخصوصة لواجب الوجود غير معلومة للبشر [ وعبروا عن هذا المعنى بهذه العبارة وهي قولهم : كنه ذات اللّه تعالى غير معلوم للبشر ] « 1 » ، ولما كان الوجود أولى بالتصديق « 2 » ، وكانت الحقيقة المخصوصة غير متصورة ، فضلا عن أن تكون أولية التصور ، كان هذا برهانا قاطعا في أن حقيقة اللّه تعالى ، غير « 3 » وجوده . [ وقال الداعي إلى اللّه رحمه اللّه ] « 4 » حقا . إني لكثير التعجب من هؤلاء الأفاضل كيف جمعوا بين هذين المذهبين ؟ فإن قيل : مرادهم بقولهم : إن كنه حقيقة اللّه تعالى غير [ معلوم ] « 5 » ومتصور للبشر : هو أن البشر ما أحاط عقلهم بكنه صفات اللّه تعالى ؟ قلنا : هذا بعيد جدا ، لأن معرفة الصفات غير ، ومعرفة الذات غير . والقوم قالوا : كنه الذات غير معلوم ، فكيف يجوز صرف هذا الكلام إلى الصفات ؟ وأيضا : فالقوم حصروا صفات اللّه تعالى في : السلوب وفي الإضافات ، وهذان القسمان معلومان ، فكيف يقال : المراد أن

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) التصور ( ز ) . ( 3 ) عين ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( ز ) .