فخر الدين الرازي

275

المطالب العالية من العلم الإلهي

القبلية والبعدية « 1 » معنى مغايرا للعدم المحض ، فوجب أن يكون صفة موجودة . ولو كان الموصوف بهذا التقدم والقبلية عدما محضا ، لزم منه أن يكون العدم المحض والنفي الصرف موصوفا بالصفة الموجودة وأنه محال . ولما بطل هذا ثبت أن الموصوف بالقبلية والتقدم موجود . وثبت أن كل ما صح عليه أن يوجد بعد عدمه ، أو يعدم بعد وجوده ، فإنه لا بد وأن يكون مسبوقا بموجود آخر [ وأن يكون ملحوقا بموجود ] « 2 » ثم ذلك الموجود ، إن صح عليه العدم والوجود ، افتقر إلى موجود آخر ، فيصير إلى غير النهاية ، وهو محال ، وإن لم يصح العدم عليه أصلا ، فذلك هو الموجود الواجب لذاته ، وهو المطلوب . الطريق الرابع وهو طريق الباحثين عن أحوال الفلك : فإنهم قالوا : ثبت أنه متحرك بالاستدارة ، وكل ما كان كذلك فحركته نفسانية إرادية ، وكل ما كان كذلك ، فلا بد من جوهر مجرد عن الجسمية يتولى تحريك ذلك الفلك بإرادته ، وهذا المعنى حاصل في الفلك الأقصى ، فلا بد له من وجود يحركه على سبيل الإرادة . ثم نقول : إن كان ذلك الشيء قديما واجب الوجود لذاته فهو المطلوب . وإن كان حادثا افتقر إلى فاعل آخر . والتسلل محال فلا بد من الانتهاء إلى قديم واجب الوجود لذاته . ولنكتف في هذا الباب بهذه الوجوه ، ومن اللّه الإرشاد والرحمة والهداية .

--> ( 1 ) والتقدم ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ونقول هنا : ( أ ) الدليل على وجود اللّه تعالى : 1 - دليل نقلي من التوراة والإنجيل والقرآن . والآثار القديمة الموجودة في بلاد العالم التي تدل على أن الناس عبدوا الإله الخالق ، وآمنوا بحياة ثانية بعد موتهم كالكعبة في مكة . والأهرامات في مصر . 2 - ودليل عقلي . والأدلة العقلية تنقسم إلى الأقسام التالية : 1 - دليل الفطرة - أي الغريزة - : ومعناه : أن اللّه لما كوّن جسم الإنسان : كونه من لحم ودم . وجعل من اللحم والدم غرائز كامنة تظهر عند وجود الداعي إلى ظهورها . فغريزة الجوع كامنة في الجسم . وإنها لتظهر عند وجود الطعام الشهي أو عند الجوع . لا يحس الإنسان بغريزة الجوع . لأنها كامنة مستترة . وحال ظهورها يعرف الإنسان أن غريزة الجوع فيه . وغريزة الميل إلى النساء ، هي غريزة مستترة ، ولا يحس بها الإنسان إلا عند الإثارة . وكذلك غريزة الميل إلى الخضوع للخالق جلّ وعلا . هي غريزة في جسم الإنسان ، مولود بها كسائر الغرائز وتظهر غريزة التدين ، إذا أحس