فخر الدين الرازي
276
المطالب العالية من العلم الإلهي
--> الإنسان بالرهبة وأدركه الخوف . وكل غريزة لها سن عند الإنسان تظهر فيه . أي أن الغرائز لا تظهر دفعة واحدة ، وإن كانت هي مخلوقة دفعة واحدة قبل الولادة . فغريزة الجوع ظهرت من الولادة مباشرة . وغريزة التملك بعد سنة تقريبا ، وغريزة الميل إلى النساء تظهر بعد ثلاث عشرة سنة على وجه التقريب . وغريزة التدين تظهر وقتئذ أيضا . والمحرك لها هو الرغبة أو الرهبة . وهذا أمر يحس به كل إنسان لأنه فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم 30 ] . 2 - دليل السببية : ومعناه : أن الأثر يدل على المؤثر ، والسبب يدل على المسبب . أي أن وجود « الكرسي مثلا » - وهو أثر - يدل على الإيمان بذات « النجار » - أي المؤثر - الذي صنعه . وإن كنا لم نره . كما يقول الراعي : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير . فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج . ألا تدل على العليم الخبير . وإذا ما قال قائل : إن الدنيا مخلوقة بالمصادفة . نقول له : إن « الإحكام والإتقان » في الكون يدل على الخالق ، ولا يدل على المصادفة . لأن المصادفة إذا أظهرت الإحكام صدفة في أمر من الأمور ، لا تظهره في كل الأمور . والحال أننا نرى العالم محكما ومتقنا صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [ النمل 88 ] . 3 - دليل الآيات الكونية : ومعناه : أن نبي الإسلام محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم نطق بآيات قرآنية تدل على أمور علمية ، ما كان أحد يعرفها في زمانه . ونطق بها وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب . ولم يكن دارسا ، ولم يلقنه معلم . فراعي غنم أميّ وتاجر ينطق بهذا الكلام العجيب الشأن يدل على أحد أمرين : إما أن معلما علمه ، وإما أن اللّه هو الذي علمه . لا جائز أن يكون المعلم . لأن الآيات العلمية لم يعرفها العلماء إلا بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن . فإذن يكون مرسل الكلام - الذي هو القرآن - اللّه عز وجل - فإنه يؤمن الناس بوجود اللّه بدليل صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخبر به . ولقد رأيت بعض العلماء يفسر الآيات الكونية بأن « كل شيء في هذا الكون هو آية ناطقة بأن اللّه ربها وخالقها . وقد سلك القرآن هذا السبيل لتقرير ربوبية اللّه وألوهيته . ولذلك عندما نقرأ القرآن نراه يأخذنا في جولات وجولات يرتاد بنا آفاق السماء ، ويسير في جنبات الأرض ، ويقف بنا عند زهرات الحقول ، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها ، وهو في كل ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا ، فيرينا كيف تعمل قدرة اللّه وتقديره في المخلوقات » . وهذا التفسير لا يصلح دليلا مستقلا عن دليل السببية - لأن هو نفسه دليل السببية - أي أنه إذا فسرنا الآيات الكونية بتفسيره هذا فمعناه أن الكون كله يدل على المسبب . ولكن إن فسرناها دليلا على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث نطقه بها في القرآن وهو أمي . فإنها تكون سببا مستقلا ، أي دليلا مستقلا . 4 - دليل الهداية : والفرق بين هذا الدليل ودليل الفطرة : أن الفطرة غريزة كامنة عند الإنسان تظهر حال الاستثارة أو الاستفزاز ويحس بها الإنسان نفسه . وأما الهداية فمعناها : النظر إلى تصرف الإنسان وتصرف الحيوان الأعجم . إن تصرف الإنسان يدل على وجود العقل فيه . فمن الذي هدى العقل إلى أن هذا الفعل مفيد أو غير مفيد ؟ إنه اللّه عز وجل فتصرف الحيوان يدل على أن اللّه هدى المخلوقات لكي تقوم بالوظائف التي خلقها اللّه من أجلها ، وقيامها بالوظائف يدل على أن لهذه