فخر الدين الرازي
272
المطالب العالية من العلم الإلهي
يتشوش علمه بكثرة سؤال السائلين . ف هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » . [ فهذه هي الوجوه التي حصلناها من كلمات أصحاب الرياضات ] « 2 » . الطائفة الثالثة من طوائف أهل العالم : الذين حصلت لهم عقول كاملة وأفهام صحيحة ، إلا أنهم لم يشتغلوا بطلب العلوم الدقيقة . ولقد سمعت من هذا الجنس [ من الناس ] « 3 » عبارات صحيحة دالة على إثبات الإله لهذا العالم . فالطريق الأول : قال بعضهم : رعاية الاحتياط في كل شيء ، أولى من إهمال الاحتياط . فنقول : القول بإثبات الإله المختار للمكلف أقرب إلى الاحتياط من القول بنفيه ، فكان الذهاب إلى هذا القول أولى . أما بيان أنه أحوط . فتقريره أن نقول : هذا العالم : إما أن يكون له إله ، وإما أن لا يكون . فإن لم يكن ، كان القول بإثباته مضرا ، فثبت أن القول [ بإله العالم ] « 4 » أقرب إلى الاحتياط . ثم نقول : إله العالم إما أن يكون فاعلا مختارا ، أو لا يكون « 5 » ، فإن لم يكن فاعلا مختارا كان إثبات الفاعل المختار غير مضر . أما إن كان فاعلا مختارا كان نفيه مضرا . فكان إثبات الفاعل المختار أبعد عن الضرر ، وأقرب إلى الاحتياط . ثم نقول : هذا الإله الفاعل المختار . إما أن يقال : إنه كلف العباد ، وأمرهم ببعض الأشياء ، ونهاهم عن بعضها ، وإما أن يقال : إنه ليس كذلك ، فإن لم يكن كذلك لم يلزم من القول بكونه آمرا ناهيا ضرر ، وإن كان كذلك كان إنكار كونه آمرا ناهيا أعظم المضار . فثبت بما ذكرنا : أن الاعتراف بأن لهذا العالم إلها ، وأن ذلك الإله فاعل مختار ، وأنه آمر ناهي أبعد عن
--> ( 1 ) غافر 65 . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) بإثباته ( س ) . ( 5 ) العبارة مكررة في ( س ) .