فخر الدين الرازي
273
المطالب العالية من العلم الإلهي
الخوف ، وأقرب إلى الاحتياط ، وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون المصير إلى هذا المذهب والاعتقاد ، أحوط . لأن عند استيلاء الخوف الشديد ، يكون الأخذ بالجانب الأحوط متعينا . [ واللّه ولي التوفيق ] « 1 » . الطريق الثاني : كان بعض العقلاء يقول : إن لطمة واحدة تضرب على وجه صبي ، تظهر أن لهذا العالم إلها وأن هذا الإله أمر بعض عباده بأشياء ، ونهاهم عن أشياء ، وأن ذلك الإله أعد للمطيعين ثوابا ، وللمذنبين عقابا ، وأنه « 2 » بعث إلى الخلق رسلا مبشرين ومنذرين . وهذه هي الأصول الأربعة التي هي أشرف المطالب وأعز المقاصد . أما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الأول وهو إثبات الإله تعالى فنقول : ذلك الصبي إذا أحس بتلك اللطمة ، ففي الحال يصيح ويقول : من الذي ضربني ؟ ومن الذي لطم وجهي ؟ ولو أن أهل الدنيا يجتمعون عليه ويقولون : إن هذه اللطمة حصلت [ بنفسها ] « 3 » من غير فاعل ، فإنه لا يقبل هذا القول ، ولا يؤثر فيه هذا الكلام ، وهذا يدل على أن صريح العقل [ وأول الفطرة ، شاهدة بأن الفعل ] « 4 » لا بد له من فاعل والحادث لا بد له من محدث ، ومتى ظهرت هذه المقدمة فنقول : إذا كان صريح العقل يستبعد حدوث تلك اللطمة من غير فاعل ، فحدوث جملة الحوادث في عالم الأفلاك ، وعالم العناصر ، كيف يعقل حدوثها بلا محدث وفاعل ؟ فصار هذا الاعتبار من أدل الدلائل على دلالة حدوث هذا العالم ، على وجود الصانع المدبر . وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثاني وهو كون الإله تعالى موصوفا بالأمر والنهي والتكليف . فنقول : إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الذي لطمه هو فلان ، فإنه في الحال يقول : لم ضربتني ؟ وبأي سبب آذيتني ؟ وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن الخلق ما تركوا مهملين معطلين ، بل التكاليف عليهم لازمة ،
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) عز وجل ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) .