فخر الدين الرازي

259

المطالب العالية من العلم الإلهي

وذلك لأن الجسم المحض ، الخالي عن القوى النفسانية يكون في غاية النقصان ، مثل طبقات العناصر [ الأربعة ] « 1 » . ثم إن هذه العناصر الأربعة أيضا متفاوتة في الكمال والنقصان ، وكل عنصر كانت الجسمانية فيه أكثر ، والروحانية أقل ، كان أخس . وكل عنصر كانت الروحانية فيه أكثر كان أشرف . فأخس العناصر هو الأرض لأنه ليس فيها إلا القبول والتأثير ، والقوة الفاعلة فيها ضعيفة جدا . وأما الماء فإنه بسبب ما فيه من اللطافة والحركة حصلت له قوة مؤثرة ، فلا حرم كان الماء بالنسبة إلى التراب كالروح بالنسبة إلى البدن . ولما كان الهواء أكمل لطافة ، وأصفى جوهرا من الماء [ لهذا السبب ، فإن الهواء مستولي على الماء ] « 2 » وأما النار فإنها لما كانت مشرقة عالية قوية على الفعل والتأثير ، لا جرم كانت أشرف العناصر وأعلاها . وظهر أنا لما اعتبرنا أحوال العناصر الأربعة وجدنا أنها كلما كانت أقل روحانية ، كانت أخس . وكلما كانت أكثر روحانية كانت أشرف وأعلى ، وهذا الاعتبار أيضا يدل على أن الروحانيات أشرف من الجسمانيات . وأما الأجسام السفلية المركبة فهي ثلاثة أنواع : المعادن ، والنبات ، والحيوان . ولا شك أن القوة النفسانية الروحانية في المعادن في غاية القلة ، وفي النبات في المرتبة المتوسطة ، وفي الحيوان في المرتبة العالية . فلا جرم كان أخس هذه الثلاثة هو المعادن ، وأوسطها النبات ، وأشرفها الحيوان . ثم إن الحيوان أنواع كثيرة ولها درجات متفاوتة في الخسية والشرف ، وأكثر الحيوانات روحانية هو الإنسان ، فلا جرم كان الإنسان سلطان الحيوانات ومتصرفا فيها ، وسائر الحيوانات كالعبيد له . ثم نقول : وأصناف الناس فيهم كثرة إلا أنهم على اختلاف أصنافهم وتباين مراتبهم ، مشتركون في حكم واحد وهو أن كل من كانت الروحانية عليه أغلب ، كان أشرف وأعلى .

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) .