فخر الدين الرازي
260
المطالب العالية من العلم الإلهي
وكل من كانت الجسمانية عليه أغلب ، كان أخس وأبعد من الكمال . ثم لما تأملنا في ضبط صفات الكمال ، وجدناها محصورة في ثلاثة أنواع : الاستغناء ، والعلم ، والقدرة . ثم من المعلوم أن هذه الصفات الثلاثة لا تحصل للإنسان على سبيل الكمال ، بل إنما تحصل له بمقدار القوة البشرية ، والطاقة الإنسانية . فنشاهد أن أصناف أهل العالم ، وإن كانوا كثيرين إلا أن الصنف الواحد من تلك الأصناف أكملهم في هذه الصفات ، ثم في ذلك [ الصنف ] « 1 » يوجد أشخاص كثيرون إلا أنه يحصل فيهم شخص واحد هو أكمل أولئك الأشخاص ، وحينئذ يكون ذلك الشخص هو أكمل الأشخاص الموجودين في عالم الدنيا ، وهو المسمى عند أهل التصوف بقطب « 2 » العالم . وفي لسان الشيعة بالإمام المعصوم . ثم هؤلاء الأفاضل الذين لا يوجد منهم في الدور الواحد إلا الفرد الواحد ، إذا قوبل بعضهم بالبعض ، فسيوجد في كل ألف سنة أو أقل أو أكثر : شخص واحد هو رئيسهم الأكبر ، وإمامهم الأعظم ، وذلك هو النبي الكامل صاحب الوحي والتنزيل . ولما عرفتك « 3 » هذه المراتب في عالم الجسمانيات ، فاعرف مثله في عالم الروحانيات : فالموجودات الروحانية المجردة عن علائق الأجسام كثيرة ومختلفة
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) الحق : أن التصوف ليس من الإسلام . وأنه دعوة اعتنقها بعض الناس في بدء ظهور الإسلام ، ليبعدوا الناس عن العمل في الدنيا ، لعمارتها . وليربطوهم بالمساجد . وإذا ابتعدوا عن عمارة الدنيا ، يتقدم أعداء المسلمين لعمارة الدنيا ، ثم يسيطرون على بلاد المسلمين ، لإذلال المسلمين . ومن هؤلاء الأراذل : الجنيد وأبو يزيد البسطامي ، والحلاج ، والسري السقطي ، وقد آن الأوان ليرفض المسلمون الصادقون ، أفكار هؤلاء المنحرفين عن الدين . فإن الدين عند الله الإسلام ، وليس هو التصوف . ومن خرافات هؤلاء الأرذال : جاء في بعض كتب مناقب الشيخ عبد القادر الجبلي : أنه مات بعض مريديه ، فشكت إليه أمه وبكت ، فرق لها . فطار وراء ملك الموت في المساء ، وهو صاعد إلى السماء ، يحمل في زنبيل ما قبض من الأرواح في ذلك اليوم . فطلب منه أن يعطيه مريده ، أو أن يردها إليه . فامتنع . فجذب الزنبيل منه ، فأفلت فسقط جميع ما كان فيه من الأرواح ، فذهبت كل روح إلى جسدها . فصعد ملك الموت ، وشكا إلى ربه ما فعله عبد القادر . فأجاب الرب - سبحانه . . الخ [ ص 38 صراع بين الحق والباطل - سعد صادق محمد ] . ( 3 ) ولما عرفت ( س ) .