فخر الدين الرازي
256
المطالب العالية من العلم الإلهي
إهانته واذلاله ، ويزيدون إهانته على إهانة الصبيان ، وكل ذلك يدل على أن إهانة الجسمانيات ، وتعظيم الروحانيات أمر مركوز في العقول ، مغزوز في النفوس ، يعترف به أهل الملل والنحل ، ويقر به جميع طوائف أهل العالم بل نزيد ونقول : إن الصبيان إذا رأوا الأكابر من الناس يخشونهم ، ويفرون منهم ، وما ذاك إلا لأجل إن روحانية الأكابر أقوى من روحانية الأصاغر بل نزيد ونقول : إن السباع القوية ، والبهائم الشديدة إذا رأت الإنسان فإنها تهابه وتحتشمه ، مع أن الإنسان بالنسبة إليها في غاية الضعف ، وما ذاك إلا لأن الصفات الروحانية مهيبة معظمة بالطبع ، السباع والبهائم الشديدة القوية ، تهاب الإنسان وتحترمه وتعظمه وتفر منه لهذا السبب . فثبت بهذه التنبيهات : أن تعظيم جانب الروحانيات على الجسمانيات كالأمر المتفق عليه بين جميع الحيوانات . والوجه الثاني : من الدلائل الدالة على ترجيح جانب الروحانيات على جانب الجسمانيات : أن الصبي إذا بلغ إلى حد أن يفهم الكلام ، فإن المرأة الشيخة إذا جلست وذكرت الحكايات من باب الخرافات لذلك الصبي [ صار الصبي ] « 1 » مستغرقا في سماع تلك الخرافات ، فإذا عرض عليه أطيب الطعام وألذ الشراب ، فإنه يعرض عنه ، ولا يلتفت إليه ، ويبقى مشتغلا بسماع تلك الحكايات ، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بسبب سماع تلك الخرافات أشد وأقوى من اللذة الحاصلة من ذلك الطعام [ ومن ذلك ] « 2 » الشراب ، وذلك [ يدل ] « 3 » على أن الروحانيات أقوى حالا من الجسمانيات ، وكذلك المشتغل بلذة « 4 » النرد والشطرنج ، قد يبقى معرضا عن الأكل والشرب مدة طويلة مع أنه لا يحس [ البتة ] « 5 » بألم الجوع والعطش ، وما ذاك إلا لأن لذة الغلبة ، آثر
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) يلعب ( س ) . ( 5 ) من ( س ) .