فخر الدين الرازي
257
المطالب العالية من العلم الإلهي
عنده من لذة الأكل والشرب والوقاع ، وكل ذلك يدل على أن الروحانيات أشرف وآثر من الجسمانيات . والوجه الثالث : أن كل ما كان سعادة وغبطة وكمالا ، فإن إظهاره يكون مطلوبا لكل أحد ، وإذا كان إظهاره مستقبحا عند كل أحد ، فيدل على أن ذلك الشيء ليس من جنس الكمالات . إذا عرفت هذا فنقول : أقوى اللذات الجسمانية : لذة الوقاع فلو كانت هذه اللذة من جنس السعادات والكمالات ، لوجب أن يكون إظهارها مستحسنا في العقول ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، بل العاقل يستحي من ذكره فضلا عن إظهاره . وأيضا : قد جرت العادات « 1 » بأن الناس لا يشتم بعضهم بعضا إلا بذكر الألفاظ الدّالة على تلك الأحوال ، ولو كانت [ تلك ] « 2 » اللذة من باب السعادات لما كان ذكرها أعظم أنواع الشتم [ والإهانة ] « 3 » وكل ذلك يدل على أن هذه الأحوال ليست من باب [ السعادات ] « 4 » البتة . فأما الأحوال الروحانية ، وهي العلم بحقائق الأشياء ، والإعراض عن الجسمانيات ، والإقبال على عالم الروحانيات ، فإن كل أحد يبتهج بها ويستسعد بذكرها ، حتى أن من كان خاليا عنها ، فإنه يأتي بأفعال وأحوال توهم كونه موصوفا بها ليتوسل بذلك إلى إقبال الناس على خدمته ، والانقياد إلى طاعته . وكل هذه الاعتبارات دالة على أن الجسمانيات مستحقرة باتفاق الخلق [ وعلى أن الروحانيات مهيبة معظمة باتفاق جمهور الخلق ] « 5 » . والوجه الرابع : [ من الاعتبارات « 6 » ] الدالة على صحة ما ذكرناه : إنا نجد القلوب والنفوس كلها اتفقت [ على أن الإنسان ، كلما أقبل ] « 7 » على ذكر الدنيا وكيفية الحيلة في تحصيلها ، وترتيب الوجوه التي بها يتوسل إلى الفوز بها ،
--> ( 1 ) العادة ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( ز ) . ( 7 ) زيادة .