فخر الدين الرازي
223
المطالب العالية من العلم الإلهي
فإنه لا يكون كاملا في تلك الحرفة ، ولا ماهرا في تلك الصنعة ، أما إذا بلغ [ حد ] « 1 » الكمال ، والتمام في الحرفة ، فذاك إنما يكون إذا استغنى عن التأمل في حرف حرف ، ونقر نقر ، ويصير متمرسا على الإتيان بذلك العمل بمقتضى الطبيعة . وهذا يدل على أن عمل الطبيعة في غاية الكمال والتمام . السؤال الثالث : أن نقول : إن دلّ ما ذكرتم على أن هذا التركيب لم يصدر إلا من إله العالم ، فههنا ما يدل على فساده ، وذلك لأن هذه التركيبات العجيبة كما أنها حاصلة في تركيب بدن الإنسان ، فهي أيضا حاصلة في تركيب بدن البعوض ، والبق ، والنمل ، والدود ، فلو قلنا : بأن هذه التركيبات لا تحصل إلا بإيجاد خالق العالم . ألزمناه بأن نقول : بأن تولد الدود في النجاسة لم يحصل إلا بإيجاد « 2 » إله العالم ، وكذلك القول في تولد جميع الحيوانات الخسيسة القذرة ، وذلك بعيد ، لأن إله العالم على جلالة قدرة ، يبعد أن يتولى إيجاد هذه الحيوانات الخسيسة . السؤال الرابع : سلمنا أن بدن الخلق « 3 » لا يتكون إلا بتخليق فاعل حكيم ، فلم لا يجوز أن يقال : ذلك الخالق هو فلك من الأفلاك ، وكوكب من الكواكب ، وهي أحياء ناطقة عالمة حكيمة ، تامة الحكمة كاملة العلم ؟ فما لم تبطلوا هذا الاحتمال ، لم يتم دليلكم في إثبات الإله الحكيم . السؤال الخامس : إن خالق أبدان الحيوانات شيء آخر سوى الأفلاك والكواكب ، فلم لا يجوز أن يقال : خالقها روح من الأرواح الفلكية ، مثل نفس ، أو عقل ، أو ملك من الملائكة ، على ما هو مذهب الهند . فإنهم يعتقدون أن المدبر « 4 » لكل طرف [ من أطراف ] « 5 » الأرض ولكل بقعة من
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) بتخليق ( س ) . ( 3 ) الحيوانات ( س ) . ( 4 ) المؤثر ( س ) . ( 5 ) من ( س ) .