فخر الدين الرازي

213

المطالب العالية من العلم الإلهي

يحدث اللّه تلك الدواعي في العبد : كان الفعل « 1 » واجب الصدور عنه وعندما « 2 » لا يحدثها فيه ، كان الفعل ممتنع الصدور عنه . وحينئذ لا يكون مستقلا بفعل نفسه . وذلك ضد مذهب المعتزلة . السؤال الثاني : سلمنا وقوع تصرفاتنا عند دواعينا ، وامتناع وقوعها عند صوارفنا . فلم قلتم : إن ذلك يدل على كونها واقعة بنا ؟ قوله : « لو لم تكن واقعة بنا ، لجاز أن تقع حال ما نكره وقوعها ، وأن لا تقع حال ما نريد وقوعها » قلنا : لم لا يجوز أن يقال : إنها تقع عند حصول إرادتنا ، لا لمؤثر ولا لمرجح ، بل لمحض الاتفاق . وتقدير هذا السؤال : أن يقال : إن حدوث الحادث لمحض الاتفاق من غير سبب ومرجح ، إما أن يكون معلوم البطلان بالبديهة ، أوليس كذلك ، فإن كان الحق هو الأول ، فحينئذ متى علمنا أن العالم محدث ، علمنا بالضرورة افتقاره إلى الفاعل ، كما هو قول « الكعبي » وحينئذ يصير هذا القياس الذي ذكرتموه ضائعا . وإن كان الحق هو الثاني ، وهو أن امتناع حدوث الحادث لا بسبب لا يعلم ، إلا بالدليل . فحينئذ يبقى للسائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : إن أفعالنا وإن وقعت عند حصول إرادتنا إلا أنها وقعت على سبيل الاتفاق من غير مؤثر أصلا ؟ فإن أثبتنا هذه المقدمة بقياس آخر ، لزم التسلسل وهو محال . فإن قالوا : الدليل على فساد هذا الاحتمال : أنه لو كان وقوع أفعالنا عند حصول إرادتنا ، وقوعا لمحض الاتفاق من غير تأثير مؤثر ولا حصول مرجح أصلا ، وجب أن لا يطرد على نسق واحد . لأن الأحوال الاتفاقية لا تطرد ، بل تختلف أحوالها . فكان يلزم أنه قد « 3 » يتفق حدوثها عند كراهاتنا ، وأن لا يتفق حدوثها عند إرادتنا . فنقول في الجواب عن هذا السؤال : لم لا يجوز أن يقال : أنها وإن حدثت

--> ( 1 ) العبد ( ت ، س ) . ( 2 ) وعنده أن ثبوتها ( ت ) . ( 3 ) لا يتفق ( ت ) .