سميح دغيم
562
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
الفعل على وجه خاص ، فهذا يقتضي أن لا يحصل القدر إلّا مع التخليق والتكوين . وإن حمل على علم اللّه بكيفية أفعال العباد ، فالجبر أيضا لازم . لما ثبت : أن خلاف معلوم اللّه : محال الوقوع . وأما قوله : « الإيمان بالقدر ، محمول على أنّ خالق اللذّات والآلام ، هو اللّه » قلنا : هذا ضعيف . لأنّ قولنا : لا إله إلّا اللّه ، تصريح بنفي الإلهين . وذلك يدلّ على أنّ خالق المنافع والمضار ، هو اللّه . فلمّا أوجب بعده الإيمان بالقدر ، وجب أن يكون المراد من القدر شيئا آخر ، سوى ذلك . وما ذاك إلّا الإيمان بأن الطاعات والشرور كلها من اللّه . وأما قوله : « المراد من ذلك : إثبات أنّ القدر من العبد » قلنا : هذا مدفوع بما أنّه جاء في بعض الروايات : « وأن تؤمن بأن القدر خيره وشرّه من اللّه » . وأما قوله : « مذهب علي بن أبي طالب ، نفي الجبر ، والراوي إذا خالف روايته دلّ على ضعف في الرواية » قلنا : لا نسلّم أنّ مذهب « علي » ما ذكرتم . وسيأتي تقريره ، إن شاء اللّه تعالى . ( مطل 9 ، 221 ، 21 ) - نقول ( الرازي ) : ما كان في مجرى عادته تعالى على وجه تدركه العقول البشريّة نقول بقضاء ، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول لم كان ولما ذا لم يكن على خلافه نقول بقدر . ( مفا 25 ، 213 ، 25 ) - ما معنى القدر ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها المقدار كما قال تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( الرعد : 8 ) وعلى هذا فكل شيء مقدّر في ذاته وفي صفاته ، أمّا المقدّر في الذّات فالجسم ، وذلك ظاهر فيه ، وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسّواد ، وأمّا الجوهر الفرد ما لا مقدار له ، والقائم بالجوهر ما لا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما ، فنقول هاهنا مقادير لا بمعنى الامتداد ، أمّا الجواهر الفرد فإنّ الاثنين منه أصغر من الثلاثة ، ولولا أنّ حجما يزداد به الامتداد ، وإلّا لما حصل دون الامتداد فيه ، وأمّا القائم بالجوهر فله نهاية وبداية ، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية ، وأمّا الصفة فلأنّ لكل شيء ابتدئ زمانا فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثا ، فإن قيل اللّه تعالى وصف به ، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده ، نقول المتكلّم إذا كان موصوفا بصفة أو مسمّى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسمّاة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة ، وأسند فعلا من أفعاله إليه يخرج هو عنه ، كما يقول القائل : رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني ، ويقول ما في البيت أحد إلّا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم ، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك قوله : خَلَقْناهُ ( القمر : 49 ) و خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( الأنعام : 102 ) يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا إنّ التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلّا لغير المتكلّم . ثانيها القدر التقدير ، قال اللّه تعالى فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( المرسلات : 23 ) وقال الشاعر : وقد قدّر الرحمن ما هو قادر أي قدّر ما هو مقدّر ، وعلى هذا فالمعنى أنّ اللّه